الرأي

المنتخب المغربي… مشروع دولة وقوة كروية عالمية

أكادير اليوم / بقلم جمال أوجدو

ما يحققه المنتخب المغربي من نتائج مبهرة في مونديال الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لم يعد مجرد صدفة أو ضربة حظ، كما يروج البعض، بل أصبح ثمرة مشروع وطني متكامل، يقوم على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وعلى التخطيط، والاستثمار في الإنسان، والتكوين، والبنيات التحتية، والحكامة الرياضية.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الإنجاز الرياضي لا يصنعه الحظ، وإنما تصنعه المؤسسات القوية، والسياسات العمومية الواضحة، والكفاءات الوطنية، والاستثمار المستمر. وفي هذا الإطار، شكلت المناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات سنة 2008 محطة مفصلية في رسم معالم النهوض بالرياضة المغربية، قبل أن تتجسد هذه الرؤية في إنشاء أكاديمية محمد السادس لكرة القدم سنة 2010، واعتماد الاحتراف في البطولة الوطنية ابتداء من الموسم الرياضي 2011-2012، إلى جانب الاستثمار في التكوين القاعدي، ومراكز الإعداد، والبنيات التحتية، وفي مقدمتها مركب محمد السادس لكرة القدم، فضلا عن تشييد ملاعب عالمية استعدادا لاحتضان كأس أمم إفريقيا 2025 والمشاركة في تنظيم كأس العالم 2030.
وبفضل هذه الرؤية، لم يعد المنتخب المغربي مجرد منتخب يشارك في المنافسات الدولية، بل أصبح رقما صعبا في كرة القدم العالمية، ينتظر العالم ظهوره في كل استحقاق قاري أو دولي. فمنذ الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، حين بلغ أسود الأطلس نصف النهائي بقيادة الناخب الوطني وليد الركراكي، دخلت الكرة المغربية مرحلة جديدة، وأصبحت المواهب المغربية محط اهتمام أكبر الأندية الأوروبية، وارتفعت قيمتها في سوق الانتقالات.
ولم يكن إنجاز قطر حدثا معزولا، بل جاء نتيجة تراكمات متواصلة. فقد توج المنتخب الأولمبي بلقب كأس إفريقيا لأقل من 23 سنة بقيادة عصام الشرعي، قبل أن يحرز الميدالية البرونزية في الألعاب الأولمبية بباريس بقيادة طارق السكتيوي، بمساهمة أسماء واصلت تألقها، مثل أشرف حكيمي، وسفيان رحيمي، ومنير المحمدي، إلى جانب بلال الخنوس، وإسماعيل الصيباري، وعبد الصمد الزلزولي وغيرهم من أبناء الجيل الجديد.
كما أحرز المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة لقب كأس إفريقيا بقيادة نبيل باها، في تأكيد جديد على نجاح سياسة التكوين القاعدي. وواصل المنتخب الوطني للشباب تألقه بقيادة الإطار الوطني محمد وهبي، الذي نجح في قيادة جيل واعد إلى إنجاز عالمي في كأس العالم للشباب، بوجود أسماء برزت بقوة، من بينها معما، وباعوف، والزابيري وغيرهم، وهي مواهب تؤكد أن خزان الكرة المغربية يتجدد باستمرار.
ولا يمكن الحديث عن النهضة الكروية المغربية دون استحضار إنجاز المنتخب الوطني المحلي، الذي توج بلقب بطولة إفريقيا للاعبين المحليين (الشان) سنتي 2018 بقيادة جمال السلامي و2020 بقيادة الحسين عموتة، وهو ما أبرز جودة البطولة الوطنية، وقدرة الأطر الوطنية واللاعبين المحليين على تحقيق الألقاب القارية.
كما تميزت الكرة المغربية بإنجازات غير مسبوقة في كرة القدم داخل القاعة بقيادة الخبير هشام الدكيك، إضافة إلى الطفرة التي عرفتها كرة القدم النسوية، وهو ما يعكس نجاح مشروع رياضي شامل، لا يقتصر على المنتخب الأول، بل يشمل مختلف الفئات والاختصاصات.
إن تعدد هذه الإنجازات، واختلاف الفئات العمرية، وتنوع الأطر الوطنية التي صنعتها، من جمال السلامي، والحسين عموتة، ووليد الركراكي، وعصام الشرعي، وطارق السكتيوي، ونبيل باها، ومحمد وهبي، وهشام الدكيك، يؤكد أن المغرب لا يعيش جيلا استثنائيا عابرا، بل يقود مشروعا كرويا وطنيا قائما على التخطيط، والاستمرارية، والتكوين، وحسن التدبير.
ولا يقتصر هذا النجاح على الجانب الرياضي، بل يمتد إلى البعد الثقافي والهوياتي. فقد عبر الحارس أحمد رضا التكناوتي عن هذا المعنى عندما فضل الإجابة بلغته الأم في المنطقة المختلطة، رافضا التخلي عن لغته لصالح لغة أخرى. ولم يكن ذلك مجرد موقف عابر، بل رسالة تؤكد أن تمثيل الوطن لا يقتصر على حمل القميص الوطني، وإنما يشمل أيضا حمل اللغة والثقافة والهوية. وهو ما ينسجم مع مفهوم المثاقفة في الأنثروبولوجيا الثقافية، حيث تصبح الرياضة والهجرة والتواصل الدولي وسائل لنقل الثقافة الوطنية وإبرازها أمام العالم.
وتؤكد تجربة اللاعبين مزدوجي الجنسية هذا المعطى، إذ اختار كثير منهم الدفاع عن ألوان المغرب، من يوسف حجي، ومروان الشماخ، وعبد السلام وادو، ومبارك بوصوفة، إلى حكيم زياش، وأشرف حكيمي، وإبراهيم دياز، وغيرهم، في تعبير واضح عن قوة الانتماء الوطني والاعتزاز بالهوية المغربية.
إن ما يعيشه المغرب اليوم هو ثمرة رؤية ملكية جعلت الرياضة رافعة للتنمية، ووسيلة لإشعاع صورة المملكة دوليا. وما تحقق في قطر، وما يتواصل اليوم في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، ليس سوى حلقة جديدة في مسار تاريخي عنوانه الاستثمار في الإنسان، والثقة في الكفاءة المغربية، وبناء نموذج رياضي عالمي، يحمل هوية المغرب وثقافته وقيمه إلى مختلف أنحاء العالم، بفضل الرؤية السديدة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/