الرأي

الإصلاح والتنمية يحتاجان إلى جيل جديد من العقليات التدبيرية

أكادير اليوم / بقلم نجيب الشرفي

كلما أثير النقاش حول الإصلاح والتنمية، يختزل النقاش في كثير من الأحيان غالبا نحو الإمكانيات المالية والمشاريع الكبرى والبنيات التحتية، وكأن نجاح الدول والمؤسسات رهين فقط بحجم الموارد والإمكانيات التي تتوفر عليها، غير أن التجارب اللافتة عبر العالم أثبتت أن العامل الحاسم في معادلة التقدم لا يكمن فقط في الإمكانيات والموارد المالية والمتاحة، بل في العقليات التي تدبر هذه الإمكانيات وتوجهها نحو تحقيق الأهداف المنشودة، فالتنمية ليست مجرد أرقام ومؤشرات وتقارير رسمية، بل هي قبل كل شيء طريقة في التفكير، وأسلوب في التدبير، ورؤية للمستقبل.

إن العائق الأساسي أمام نجاح العديد من التجارب التنموية لا يرتبط دائما بندرة الإمكانيات، وإنما بطريقة تدبيرها واستثمارها، فكم من مؤسسة أو جماعة أو دولة تتوفر على إمكانيات مهمة لكنها تعجز عن تحقيق النتائج المرجوة بسبب غياب الرؤية أو استمرار أساليب تدبير تقليدية لم تعد قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة، وفي المقابل، نجد تجارب استطاعت تحقيق نتائج لافتة بإمكانيات محدودة، بفضل وجود عقليات تدبيرية تؤمن بالتخطيط والابتكار وحسن استثمار الموارد المتاحة.
ومن هنا تتأكد أهمية تجديد العقليات التدبيرية باعتباره مدخلا أساسيا للإصلاح والتنمية، فالعالم الذي نعيش فيه اليوم ليس هو عالم الأمس، والتحديات التي تواجه المؤسسات والمجتمعات أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا، وهو ما يفرض الانتقال من منطق التدبير التقليدي إلى منطق التدبير الاستراتيجي القائم على استشراف المستقبل وصناعة الفرص، وفي هذا السياق استحضر ما قاله فؤاد علي الهمة مستشار الملك عبر في أحد حواراته الصحفية عن فكرة عميقة مفادها أن ” الواقع لا يمكن النظر إليه بنظارات الأمس” يعني ان الحاضر والمستقبل لا يمكن قراءتهما بعقليات الماضي وهي فكرة تختزل في جوهرها ضرورة تجديد العقليات وأساليب التدبير، لأن التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم تفرض أدوات جديدة في التفكير والتخطيط واتخاذ القرار، فالتحديات الراهنة لم تعد تقبل الأجوبة التقليدية، كما أن عقلية الأمس، مهما كانت ناجحة في سياقها التاريخي، قد تصبح عاجزة عن مواكبة متطلبات اليوم وصناعة رهانات الغد، لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تجديد الرؤية ومن امتلاك الجرأة على مراجعة الأساليب القديمة واستبدالها بعقليات أكثر انفتاحا وابتكارا وارتباطا بمنطق النتائج.

كما ينسجم الحديث عن تجديد العقليات التدبيرية مع التوجيهات الملكية الرامية إلى تطوير أساليب العمل العمومي والارتقاء بأداء المؤسسات، ومن هذا المنطلق، أكد الملك محمد السادس في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة بتاريخ 14 أكتوبر 2016، على ضرورة الارتقاء بأداء المؤسسات العمومية وتجديد أساليب العمل والتدبير، حين قال: “لقد آن الأوان لإحداث تغيير حقيقي في العقليات وفي مستوى أداء المؤسسات”، في إشارة واضحة إلى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان ومن طريقة التفكير والتدبير قبل أي شيء آخر.

إن مسألة تجديد العقليات التدبيرية لا يعني بالضرورة تغيير الأشخاص أو تعويض مسؤول بآخر، لأن التجارب أثبتت أن تغيير الوجوه دون تغيير العقليات لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير النتائج، فقد تتجدد المناصب وتبقى الممارسات نفسها، وقد تتغير الأسماء بينما تستمر طرق التفكير ذاتها، لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبتدأ بتغيير الأشخاص بقدر ما يبدأ من تغيير الثقافة التدبيرية ومنهجية العمل والرؤية التي تؤطر عملية اتخاذ القرار.
كما ان أهمية العقليات التدبيرية تتجلى في كونها تحدد الطريقة التي يتم بها التعامل مع التحديات، فهناك عقلية ترى في كل إكراه سببا للتراجع، وعقلية أخرى ترى في الإكراه فرصة للابتكار وإيجاد البدائل، وهناك عقلية تنشغل بتبرير الفشل، وعقلية أخرى تنشغل بالبحث عن أسباب النجاح، كما أن هناك من يكتفي بتدبير الواقع كما هو، وهناك من يسعى إلى تغييره وتطويره والإرتقاء به، ومن هنا يتضح أن الفارق بين النجاح والفشل لا يصنعه حجم الإمكانيات فقط، بل تصنعه بالدرجة الأولى نوعية التفكير الذي يدبر تلك الإمكانيات.
ومن أهم الدروس المستخلصة التي تقدمها التجارب الدولية الناجحة أن التحولات الكبرى تبدأ دائما بتحولات في العقليات، وتبرز التجربة اليابانية أن الثروة الحقيقية للأمم لا تكمن فقط في ما تملكه من موارد طبيعية، بل في قدرتها على إنتاج نخب مؤهلة وتجديد عقلياتها التدبيرية بشكل مستمر، بما يضمن مواكبة التحولات واستثمار الإمكانات المتاحة بكفاءة وفعالية.

كما أن تجربة سنغافورة تؤكد بدورها أن سر النجاح لا يكمن فقط في الإمكانيات، بل في جودة التدبير، فقد استطاعت هذه الدولة أن تبني نموذجا تنمويا ناجحا بفضل الرهان على الكفاءة والاستحقاق والحكامة الجيدة ومحاربة الفساد والاستثمار في الرأسمال البشري، ولم يكن ذلك نتيجة معجزة أو صدفة، بل نتيجة رؤية واضحة وعقليات تدبيرية آمنت بأن النجاح يصنع بالتخطيط والعمل والانضباط.

إن الإصلاح والتنمية يحتاجان اليوم إلى جيل جديد من العقليات التدبيرية، عقليات تؤمن بالمبادرة بدل الانتظار، وبصناعة الفرص بدل الاكتفاء برصد الإكراهات، وبالتخطيط للمستقبل بدل الارتهان للماضي، كما يحتاجان إلى نخب تمتلك القدرة على التكيف مع التحولات المتسارعة، وتستوعب أن تدبير الشأن العام لم يعد يعتمد فقط على الخبرة التقليدية، بل أصبح يحتاج إلى الابتكار والمرونة والقدرة على استشراف التحديات قبل وقوعها.

ولا يعني هذا للدعوة إلى القطيعة مع الخبرات والتجارب المتراكمة، بل على العكس من ذلك، فالتنمية الحقيقية تقوم على الجمع بين الخبرة والتجديد، وبين التراكم والإبداع، غير أن التجارب المتراكمة تفقد قيمتها عندما تتحول إلى مبرر لمقاومة التغيير، كما أن التجديد يفقد معناه إذا لم يستفد من دروس الماضي، ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الصراع بين الأجيال أو بين القديم والجديد، بل بناء تكامل يتيح الاستفادة من التجربة مع فتح المجال أمام أفكار ورؤى جديدة.

وفي الأخير يمكن القول إن التنمية ليست مجرد قضية موارد أو إمكانيات، بل هي قبل كل شيء قضية عقلية، فالدول والمؤسسات التي نجحت في تحقيق التحول لم تكن بالضرورة الأكثر غنى، وإنما كانت الأكثر قدرة على تجديد طرق تفكيرها وأساليب تدبيرها، ولذلك يظل تجديد العقليات التدبيرية المدخل الحقيقي للإصلاح، لأن المستقبل لا يمكن بناؤه بأدوات الماضي، ولأن الأمم التي تريد أن تصنع غدا أفضل مطالبة أولا بأن تمتلك الجرأة على التفكير بطريقة مختلفة.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/