الرأيالمجتمع

«ذِكرُ كلِّ لسان»… حين تحوّل النشيد الوطني المغربي من كلمات تُنشَد إلى واقعٍ يعيشه الوطن

بقلم : سناء بوحاميدي//

هناك نصوص لا يحدها زمن، لأنها لا تصف حاضرًا فقط، بل تستشرف مستقبلًا. ومن بين هذه النصوص الخالدة يبرز النشيد الوطني المغربي، الذي لم يكن مجرد كلمات تصاحب رفع العلم، وإنما رؤية وطنية رسمت ملامح مغربٍ أراده أبناؤه شامخًا بين الأمم.

عندما يردد المغاربة: «منبت الأحرار، مشرق الأنوار»، فإنهم يستحضرون تاريخًا عريقًا صنعه رجال ونساء آمنوا بأن الحرية مسؤولية، وأن بناء الأوطان يبدأ بالإنسان، ويستمر بالعلم والعمل والإخلاص. إنها رسالة تؤكد أن المغرب لم يكن يومًا وطنًا عابرًا في التاريخ، بل كان دائمًا أرضًا للحضارة، ومنارةً للإشعاع الديني والثقافي والإنساني.

ثم تأتي العبارة التي تختصر حلم أمة كاملة: «عشت في الأوطان للعلا عنوان، ملء كل جنان، ذكر كل لسان». واليوم، ونحن ننظر إلى مكانة المغرب في العالم، ندرك أن هذه الكلمات لم تكن أمنية شعرية، بل كانت وعدًا تحقق بفضل الرؤية، والاستقرار، والعمل المتواصل، وسواعد المغاربة داخل الوطن وخارجه.

لقد أصبح المغرب حاضرًا في النقاشات الدولية، وفي المشاريع الاقتصادية الكبرى، وفي المبادرات الإنسانية، وفي الدبلوماسية الهادئة، وفي الثقافة والفنون والابتكار والرياضة. وأصبح اسمه يتردد باحترام في مختلف القارات، ليس لأن الظروف منحته ذلك، بل لأن أبناءه صنعوه بالجد والاجتهاد والإيمان بقدرتهم على التميز.

وفي الرياضة، تجلت هذه الروح الوطنية بأبهى صورها مع المنتخب المغربي، الذي لم يكتف بتحقيق الانتصارات، بل أعاد تعريف معنى تمثيل الوطن. دخل اللاعبون الملاعب وهم يحملون في قلوبهم المغرب كله، فكانوا يقاتلون على كل كرة، ويؤمنون أن الراية الوطنية تستحق أن تُرفع عاليًا مهما كانت قوة المنافس.

لقد تابع العالم بإعجاب ما قدمه أسود الأطلس من أداء بطولي وروح جماعية وانضباط أخلاقي. ولم تكن فرحة المغاربة بانتصاراتهم مجرد احتفال بنتيجة رياضية، بل كانت احتفالًا بصورة المغرب المشرق، وبجيل استطاع أن يجمع بين الاحتراف والوفاء، وبين التنافس والأخلاق، وبين الطموح والتواضع.

وكانت أجمل الصور تلك التي احتضن فيها اللاعبون أمهاتهم، وقبلوا أيديهن ورؤوسهن أمام عدسات العالم، ليؤكدوا أن النجاح لا ينفصل عن القيم، وأن الأسرة المغربية تظل المدرسة الأولى لصناعة الرجال والنساء القادرين على تشريف وطنهم. لقد انتصرت الأخلاق مع الكرة، وانتصرت الهوية مع الإنجاز، فكانت الرسالة أبلغ من أي خطاب.

إن الفوز على كندا، وما سبقه وما تلاه من عروض بطولية أمام كبار منتخبات العالم، لم يكن مجرد صفحة في سجل كرة القدم، بل محطة كشفت للعالم معدن الإنسان المغربي؛ الإنسان الذي لا يستسلم، ويؤمن بأن المستحيل مجرد كلمة، وأن رفع العلم المغربي فوق أكبر المنصات مسؤولية قبل أن يكون حلمًا.

وعندما يقول النشيد: «بالروح، بالجسد، هب فتاك لبى نداك»، فإنه لا يخاطب الرياضي وحده، بل يخاطب كل مغربي؛ الباحث في مختبره، والمعلم في فصله، والطبيب في مستشفاه، والحرفي في ورشته، والجندي في موقعه، والفنان في إبداعه، والسياسي في مسؤوليته، والمهندس في مشروعه. فكل واحد منهم يحمل جزءًا من رسالة الوطن، ويسهم في أن يبقى المغرب «عنوانًا للعلا».

إن الوطنية الحقيقية ليست هتافًا عابرًا، وإنما التزام يومي بالإتقان، واحترام القانون، وخدمة الصالح العام، وصيانة صورة الوطن في الداخل والخارج. فكل نجاح يحققه مغربي، في أي مكان من العالم، هو امتداد لمعاني النشيد الوطني، وترجمة عملية لكلماته.

واليوم، يقف المغرب بثقة وهو يواصل ترسيخ مكانته بين الأمم، مستندًا إلى تاريخه، ومتشبثًا بثوابته، ومنفتحًا على المستقبل. فكل إنجاز يحققه أبناؤه يؤكد أن كلمات النشيد الوطني لم تكن مجرد أبيات تُحفظ، بل كانت مشروعًا حضاريًا يتجدد مع كل جيل.

ولهذا سيظل المغاربة، كلما صدحت حناجرهم بالنشيد الوطني، يستحضرون أنه ليس مجرد لحن يسبق المباريات أو المناسبات، بل عهد متجدد مع الوطن، ووعد دائم بأن يبقى المغرب منبتًا للأحرار، ومشرقًا للأنوار، وعنوانًا للعلا، وذكرًا لكل لسان.

الله… الوطن… الملك.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/