الثقافة

على هامش معرض سعيد اوبراييم.. حين تلتقي “إيگودار” التاريخ بـ “أكادير” الجغرافيا

منذ أن وطئت قدماي صالة المعرض وأنا أشعر بأنني لست مجرد عابر سبيل يلقي نظرة ويمضي بل زائر متحول في جغرافيا تاريخ الأجداد
تسافر بي خطاي عبر تفاصيل موروث أمازيغي شيدته أيادٍ آمنت بقيم التكافل والاحتياط والشموخ.
لقد تملكني ذلك الإحساس الغريب الذي يصيب المرء عندما يشعر أن المكان يعرفه وأن الحجر يتحدث إليه بلغة يفهمها قلبه قبل عقله.
أقف اليوم في حضرة لوحات الفنان الفوتوغرافي العالمي سعيد اوبراييم، والملتقطة في هذه الصور لأجد نفسي أمام نوافذ مشرعة على زمن (إيگودار) تلك الحصون الجماعية الفريدة التي تؤرخ لعبقرية تنظيمية سبقت عصرها بقرون.
أتأمل تلك الأبواب الخشبية القديمة وتلك الممرات الضيقة المرصوفة بعناية فأبصر من خلالها نظاماً بنكيا وابتكاراً مجتمعياً وإنسانياً متكاملاً حيث كانت هذه المخازن القروية صمام الأمان والقلب النابض للقبيلة تخبئ في عتمة غرفها الحجرية أثمن ما تملك العائلات من حبوب وزيوت ووثائق لسنوات القحط.
يتملكني إحساس بالذهول وأنا أستحضر كيف كان هذا الصرح يخضع لقوانين عرفية دقيقة وإدارة ديمقراطية حكيمة تُسير بالثقة والتضامن لتعكس فلسفة حياة كاملة جعلت من العمارة الحجرية الذكية المتماهية مع قمم التلال ملاذاً يحفظ الذاكرة والوجود.
وهنا حين تتحول آلة التصوير إلى “نون والقلم وما يصورون” تجعل الفنان الفوتوغرافي العالمي سعيد اوبراييم يختزل عبر لقطة عين مئات الأوراق وضبابية الأفكار ليجعلنا نقرأ بالعين بؤرة كل الحواس فيتحول المشهد البصري أمامه إلى وثيقة تاريخية وفلسفية تختصر الزمن وتكثف المعنى.
وهنا.. يدرك الوجدان عمق التوثيق الفوتوغرافي الذي لا يقف عند حدود اللقطة بل يفتح صفحات حية تقرأها الأجيال المستقبلية فصورة الفنان وعينه الملهمة ليستا مجرد أداة تسجيل بل هما قوتان مفصليتان في صون هذه الذاكرة وتحصينها من النسيان والتلاشي لتبقى حكاية الأجداد نابضة بالخلود.
إن ما أعيشه اللحظة ليس مجرد معرض فني عابر بل هو حضور بصري مكثف لبصمات أجدادنا الذين مروا من هنا تُعرض تفاصيل حيواتهم على هدير أمواج بحر أكادير في مفارقة مدهشة وصدفة تاريخية وجغرافية عجيبة أن يلتقي تاريخ “إيگودار” بمدينة تحمل في اسمها “أكادير”، مفرد هذا الجمع الشامخ وكأن المكان والزمان يتعانقان ليؤكدا أن روح الحصن والذاكرة لا تموت.
إنني في هذا الفضاء لا أكتفي بمشاهدة صور معلقة على جدار، بل أعيش تجربة حلول وانتماء تجعلني أستشعر نبض الأجداد في كل حجر ونقش وأدرك أن هذه البنوك الأمازيغية العتيقة بسوس ليست ماضياً اندثر بل هي رسالة حية ومستمرة تعلمنا أن شموخ المجتمعات وبقاءها يُبنى دائماً من قيم التآزر والاتحاد والوفاء للجذور..

    • يوسف غريب ..الكاتب الصحفي
          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/