
قيامة الحشاشين، اليمن السعيد و 22 مايو
الحسين بوالزيت
صحافي وباحث في التاريخ
سلا، المدينة المقفلة في 22 مايو 2026
حين يقرأ المرء رواية قيامة الحشاشين (الصورة) للكاتب والمؤرخ التونسي الهادي التيمومي، لا يشعر أنه يطالع مجرد عمل روائي عن جماعة غابرة في التاريخ، بل كأنه يسير في دهليز طويل من الأسئلة الثقيلة: كيف تنهض الأوطان ثم تنكسر؟ كيف تتحول الأحلام الكبيرة إلى جراح مفتوحة؟ وكيف تستطيع الأيديولوجيا والصراع على السلطة أن يبتلعا الإنسان والمكان معًا؟ في الرواية، يقودنا السرد إلى اليمن، لا بوصفه جغرافيا فقط، بل بوصفه مرآة للذاكرة العربية، أرضًا يختلط فيها المجد بالأسطورة، والإيمان بالحرب، والرجاء بالخوف. هناك، بين المخطوطات والرموز وأصداء “شيخ الجبل”، يبدو اليمن أشبه بوطن يسير منذ قرون فوق خيط رفيع يفصل بين النهوض والانهيار.
ولعل ما يجعل اليمن صالحًا لكل هذا التأمل هو أنه ليس بلدًا عابرًا في التاريخ. إنه أرض الحضارات الأولى، وموطن الأسئلة الكبرى، وبلدٌ حمل اسمًا يكاد يبدو اليوم مفجعًا في مفارقته: “اليمن السعيد”.
منذ آلاف السنين، كان اليمن أحد أكثر أقاليم الجزيرة العربية ازدهارًا. هنا قامت ممالك عظيمة مثل مملكة سبأ ومملكة حمير وازدهرت طرق التجارة التي حملت اللبان والبخور نحو العالم القديم. وكان سد مأرب شاهدًا على عبقرية هندسية مبكرة جعلت الصحراء أقل قسوة، والماء أكثر عدالة، والحياة أكثر استقرارًا. لم يكن لقب “اليمن السعيد” مجرد مبالغة شعرية، بل انعكاسًا لحضارة استطاعت أن تصنع الازدهار من الجغرافيا الشحيحة.
ثم تعاقبت الأزمنة، ودخل اليمن الإسلام، وصار جزءًا من قلب العالم الإسلامي، وأسهم أبناؤه في التجارة والعلم والفتوحات. وتوالت عليه الدول والسلالات، وتعاقبت عليه القوى الإقليمية، حتى صار في العصر الحديث وطنًا مقسومًا بين مشروعين سياسيين متباعدين.
في الشمال قامت الجمهورية العربية اليمنية، وفي الجنوب نشأت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وبينهما حدود صنعتها السياسة أكثر مما صنعها التاريخ أو المجتمع. ومع ذلك، ظل حلم الوحدة حيًا في المخيال اليمني، كأن الناس أرادوا استعادة شيء من وطن بدا دائمًا أكبر من انقساماته.
وفي مثل هذا اليوم، 22 مايو 1990، أعلن رسميًا عن توحيد الشطرين لتولد الجمهورية اليمنية. قبل ستة وثلاثين عامًا بدا المشهد استثنائيًا؛ علم واحد، دولة واحدة، وخطاب سياسي يعد بمستقبل مختلف. تولى علي عبد الله صالح رئاسة الدولة الموحدة، وسادت لحظة من التفاؤل اعتقد فيها كثيرون أن اليمن يقف أخيرًا على أعتاب الاستقرار والتنمية، وأن زمن الانقسام قد انتهى.
لكن الأحلام الكبيرة كثيرًا ما تُختبر بقسوة الواقع.
فالوحدة التي وُلدت وسط آمال واسعة، رآها كثير من اليمنيين لاحقًا وحدة لم تكتمل فعليًا، أو بقيت – في نظر منتقديها – أقرب إلى إطار سياسي شكلي لم ينجح في صهر التباينات العميقة بين الشمال والجنوب. لم تهدأ الخلافات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتصاعدت التوترات تدريجيًا، حتى انفجرت حرب 1994، تاركة وراءها جرحًا لم يندمل.
كان اليمن، شيئًا فشيئًا، يبتعد عن صورته القديمة. فذلك البلد الذي سُمّي يومًا “اليمن السعيد” صار في أعين كثيرين يمنًا متعبًا، مثقلًا بالفقر والانقسام والهجرة والانهيار الاقتصادي. بدا وكأن التاريخ الذي عرف كيف يبني السدود، عجز عن بناء الثقة بين أبنائه.
ثم جاءت السنوات الأكثر قسوة.
فمنذ 2015 دخل اليمن دوامة نزاع واسع حوّل البلاد إلى واحدة من أكثر ساحات المنطقة تعقيدًا. واليوم، ورغم أن الاسم الرسمي لا يزال “الجمهورية اليمنية”، فإن الواقع يبدو أكثر تشظيًا من أن تختصره تسمية واحدة. فهناك الحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من المملكة العربية السعودية، وقوى جنوبية ترى أن حلم الاستقلال لا يزال مشروعًا مؤجلًا، بينما يسيطر في الشمال حركة أنصار الله على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة أخرى.
ويرى خصوم الحركة أنها تحولت إلى أداة نفوذ إقليمي مرتبط بـ إيران، وأن الدعم السياسي والعسكري القادم من طهران أسهم في ترسيخ الانقسام وإطالة أمد الحرب، فيما تقول الحركة إنها تخوض مشروعًا سياديًا داخليًا. وبين الروايتين، يبقى اليمني البسيط هو الخاسر الأكبر؛ مواطن يبحث عن كهرباء وماء ودواء ومدرسة وشيء من الطمأنينة في بلد أنهكته البنادق
ويذهب منتقدو الواقع القائم إلى أن موارد اليمن تُستنزف اليوم في صراعات إقليمية لا تعود على المواطن العادي بأي منفعة، فيما تتراجع أولويات الحياة الكريمة أمام منطق الحرب والاصطفافات السياسية.
بعد ستة وثلاثين عامًا من الوحدة، يبدو السؤال أكثر إيلامًا: هل تحقق حلم اليمن الموحد فعلًا؟ أم أن الوطن الذي أراد أن يكون واحدًا اختنق بين تنازع المصالح، والجراح القديمة، والتدخلات الخارجية، وفوهات البنادق؟
لا يزال الاسم الرسمي هو “الجمهورية اليمنية”، لكن كثيرين يشعرون أن الجمهورية التي حلموا بها لم تولد كاملة قط، أو ربما ضاعت في الطريق. أما اليمن نفسه، ذلك اليمن الذي كان يومًا سعيدًا، فإنه يقف اليوم كشيخٍ قديم أنهكه التعب، يحمل ذاكرة الحضارات الكبرى، وينظر بصمت إلى وطن ينزف منذ عقود، منتظرًا لحظة يستعيد فيها شيئًا من نفسه، وشيئًا من اسمه القديم.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



