أكادير اليوم

إصدار جديد ينضاف للأدب المغربي المكتوب باللغة الإسبانية ويفتح باب حوار ثقافي

بقلم الدكتورة سلمى متوكل* //

عندما يلتقي المغرب وإسبانيا على صفحات الكتب في إصدار جديد ينضاف للأدب المغربي المكتوب باللغة الإسبانية ويفتح باب حوار ثقافي. تم الإصدار مؤخرا بمدريد عن دار النشر الإسبانية ”Verbum“ المتخصصة في نشر الأدب، ضمن مجموعتها الأخيرة ”الأدب الإسباني الأفريقي“، كتاب جماعي يحمِلُ عنوان: “الأدب المغربي باللغة الإسبانية. خرائط نقدية أخرى”، تحت إشراف وتنسيق الأستاذ الجامعي المتخصص في الأدب المغربي المكتوب باللغة الإسبانية، والرئيس السابق للجمعية المغربية للدراسات الإيبيرية والإيبيروأمريكية، الدكتور محمد أبريغاش، يحتوي الكتاب على 314 صفحة، ويضم عشرة أوراق بحثية قدمها مؤلفوها في ندوة دولية تحت عنوان: “الأدب المغربي باللغة الإسبانية: استكشاف قراءات أخرى”، عُقدت في شورية أو سوريا (Soria) بإسبانيا، أيام 2 و3 و4 يوليوز 2025.
تجدر الإشارة إلى أنَّ هذه الندوة تُعَدُّ مِن أحَدِ المشاريع الثلاثة الفائزة في المسابقة الثالثة لندوات مؤسسة دوقات شورية أو سوريا التي تُعْنى بتعزيز الدراسات والثقافة الإسبانية دوليا، وتنظمها سنويًا المؤسسة نفسها بِمَعِية المرصد الدائم للدراسات الإسبانية. وقدْ رُشِّحَ هذا المشروع لهذه الجائزة من قِبل جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء والجمعية المغربية للدراسات الإيبيرية والإيبيرو-أمريكية، وكذلك جامعة ابن زهر بأكادير.
يتضمن كتابُ” الأدب المغربي باللغة الإسبانية. خرائط نقدية أخرى” قراءات جديدة للمخيال الأدبي المغربي الحالي باللغة الإسبانية، ويقدم مفاتيح أخرى، كما يُحَلِّل جوانب منه لم تُستكشف كثيرٌ منها بعدُ، ولا سيما تطوره التاريخي الفريد على مدى قرن تقريبًا، وازدهاره وتطوره الجديد في السنوات الأخيرة سواء في المغرب أم في المَهجر، ومشاكله المفاهيمية المتعلقة بلغة الكتابة وتصنيف الأجيال، وأصله الاستعماري أو المتعلق بما بعد الاستعمار، وخريطته التخيلية والموضوعية. يخضع الكتاب لنهج يتميز بتعدديته لأنه من ناحية، يُعرض من خلال مساحات نقدية متنوعة ومتعددة الجنسيات. ومن ناحية أخرى، يطرح مقاربات نظرية ومنهجية غير مُتَّسقة وذات توجه ما بعد الاستعمار، بالإضافة إلى بُعْدِهِ السوسيولوجي، الموضوعي والشكلي.
يتألف هذا الكتاب من أربعة أجزاء رئيسة، وقد كتب مقدمته الكاتب ميغيل أنخيل موريتا-لارا المنحدر من مدينة مالقة الإسبانية، وأشرف على تنسيقه الناقد المغربي والأستاذ الجامعي محمد أبريغاش كما سبق وذكرنا، ويمكن اعتبار هذا العمل دليلا مرجعيا للأدب المغربي المعاصر باللغة الإسبانية.
يضم الجزء الأول الذي يقع في ثلاثة فصول تقديما عاما ومسائل لغوية وتصنيفية، يقدم الفصل الأول الذي صاغه الأستاذ محمد أبريغاش، والموسوم ب: “الأدب المغربي باللغة الإسبانية: عرض عام نقدي وموجز”، حصيلة إحصائية موجزة للمتن الأدبي الذي أنتجته هذه اللغة في مختلف الأنواع الأدبية، دون إغفال المختارات الكاملة أو الجزئية المنشورة بلغة ثيربانتيس خلال العقدين الأخيرين، وكذلك المنشورات الصحفية المغربية والإسبانية التي نُشرت فيها العديد من نصوص الأدب المغربي المكتوب باللغة الإسبانية. كما أن هذا الفصل يتناول الجدل الأولي الذي واجه منتقدي هذا الأدب ومؤيديه، ويُحَدِّدُ بعض سِماتِه الخاصة، كما يدافع عن تشكيله بعد حقبة الاستعمار، من خلال إسناد الأصل الاستعماري المفترض إلى نصوص قليلة ومتفرقة، لا يمكن اعتبارها سوى نصوص أولية وليست تأسيسية. وفي الختام، يُقدم الكاتب تصنيفا موضوعيا وشكليا لهذا النوع السردي، مع التمييز بين ستة أنماط مختلفة للكتابة بين المؤلفين.
أمّا الفصل الثاني: “الأدب المغربي باللغة الإسبانية: صَنيعُ شَغَفٍ” للأستاذ الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، الدكتور والشاعر المخضرم عزيز التازي، فيعرض فيه كاتبُه الأسباب العميقة التي دفعت الكتّاب المغاربة، حاملي لغة وهوية ثقافية معينة، إلى اتخاذ اللغة الإسبانية وسيلة للتعبير الأدبي، على حساب لغتهم الأصلية، مع كل ما ينطوي عليه هذا القرار الحاسم والحيوي من صراع محتمل أو مُعْضِلَة ُهُوية. ووفقاً للمؤلف، فإن الدافع الذي يحفزهم جميعاً هو حب لغة ثيربانتيس وشغفهم بها، مما يجعل الأدب المغربي باللغة الإسبانية هدفاً نبيلاً يَرْمي إلى بناء جسور التفاهم، ومجهوداً قَيِّما يهدف إلى هدم الأسوار الشائكة.
في الفصل الثالث الموسوم ب”الأدب المغربي باللغة الإسبانية. حول موضوع تصنيف المؤلفين المثير للجدل. تأملات ومقترح جديد”، يدافع الأستاذ الجامعي المخضرم رئيس قسم الدراسات الإسبانية بجامعة محمد الأول بالناظور عزيز أمحجور، عن فكرة جديدة. ففي تصوره، يرتبط محتوى الكتابة وأسلوبها لدى بعض الكتاب في الحقبة الاستعمارية الذين كانوا يكتبون باللغة الإسبانية ارتباطاً جمالياً بالتيار الرومانسي الذي كان سائداً في المغرب والعالم العربي آنذاك، ومع ذلك، فهو يرى أن مفهوم الجيل لا وجود له بين المؤلفين المغاربة المعاصرين، ولذلك لا ينبغي أن يتم التصنيف بناءً على المعايير الكلاسيكية للعمر أو التقارب الجمالي والأيديولوجي، بل بناءً على ثنائية اللغة الأم/اللغة المكتسبة.
الجزء الثاني من الكتاب موسوم ب: “عن الروايات والروائيين”، مكرس للرواية كنوع من أنواع الأدب المتعددة ويستعرض الروائيين البارزين في الأدب المغربي المعاصر باللغة الإسبانية. فالفصل الأول من هذا الجزء المعنون ب:” ما وراء الغرابة: روايات مغربية جديدة باللغة الإسبانية (والكتالانية)“ لكريستيان ريتشي، يناقش أعمال أربعة من الشخصيات الشبابية المعاصرة التي تكتب عن الأدب المغربي في المهجر: م. المرابط، ي. الميموني، ك. زيالي، وم. المهداتي. ووفقاً له، يُشَكِّلُ هؤلاء الأربعة جيلاً جديداً لأن كتاباتهم تتجاوز الإحداثيات الموضوعية التي حددت الترحيب الأولي بالأدب المغربي باللغات الإيبيرية، ولذلك فإن إنتاجهم الأدبي يشكل مجموعةً، تعيد تشكيل مكانة الأصوات المغربية في النظام الأدبي الإيبيري. ويخلص إلى أن سردهم لا يضيف أصواتاً فحسب، بل يغير الخريطة، ويغير مراكز الثقل، ويوسع مساحات الاستماع، ويقترح أشكالاً جديدة لتصور الحياة في شبه الجزيرة وفي بلدان المهجر أيضا.
في الفصل الثاني “عندما تمشي الجبال” أو فصل البؤس كما يسميه كاتبُهُ يوسف الميموني ، تناول مومن الصوفي موضوع مشاركة المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية. “حسب الميموني، فالصوفي لا يستخدم الذاكرة كأداة سردية فقط، بل أيضاً كآلية للتذكير بقصص مجهولة عن “جنود فرانكو المغاربة”، وإحياء التقاليد، ووصف التضامن الشعبي في الزمن الماضي، والمجاعة، والفقر الذي كان منتشرا في شمال المغرب في تلك الفترة. نجحت هذه الرواية بشكل كبير في إحياء الماضي بالنسبة إلى القراء، ذلك الماضي القاسي والمأساوي بالنسبة إلى الجميع: ضحايا وجُناة على حد سواء، كما نجحت في تسليط الضوء والتركيز على حياة الجنود المغاربة قبل الحرب، أثناءها وبعد انتهائها. إنها طريقة مزدوجة لتجسيد الوضع الاجتماعي الخاص بمناطق الحماية الإسبانية من جهة، ومشاركة المغاربة في الحرب الأهلية من جهة أخرى، وما نتج عنها من أحكام مسبقة، وغموض، وخداع، وما إلى ذلك في كل من إسبانيا والمغرب.
أمّا الجزء الثالث الذي كُرِّسَ لنوعين أدبيين: المقالة والشعر، فيتألف من دراستين تحليليتين. الأولى تحمل عنوان: “رسائل مغربية إلى روزا، لمحمد أبريغاش: نثر بين المقالة والتَّخَيُّل” للدكتور عبد الرحمن بلعياشي من جامعة ابن زهر بأكادير، ويستخدم لسانيات الخطاب لتحليل الكتاب مع التركيز بشكل خاص على صِيَغِ وحدة النّص، وهيكلة بنية الكتاب، والخصائص الجمالية والشكلية التي يتمتع بها، وكيف تساهم تأملات المؤلف ومَواقِفُه الأيديولوجية في إرساء أسس الكتابة الملتزمة. ووفقاً له، فإن كتاب” رسائل مغربية إلى روزا “هو بمثابة دعوة لممارسة كتابة حُرَّة، بَيْدَ أنَّها مرتبطة بذاتية الكاتب وبيئته الاجتماعية والتاريخية. وبالتالي فهو كتاب يصعب تصنيفه إلى حَدٍّ ما. لأنه انطلاقاً من أدب المراسلات والبنية الروائية البسيطة، فالكاتب يجمع بين السرد والخيال والسيرة الذاتية والمقالة والتاريخ وما وراء الكتابة.
تجدر الإشارة إلى أن الكتاب يتألف من سبعة رسائل مُرْسَلَة من الشخصية الرئيسة أو البطل الذي ينحدر من “تيزا”، إلى صديقته الإسبانية المنتمية إلى محافظة غاليسيا بإسبانيا. هي سبعة رسائل تبدو مستقلة، لكنَّ تقنيات السرد المستخدمة فيها تجعلها تبدو كرسالة واحدة مُطَوّلَة، وتجعل من الكتاب نصاً واحداً، متكامِلا لا يتجزأ.
وبخصوص الفصل الثاني من هذا الجزء، والمُعَنْوَنِ بِ: “خرائط الذات والحقل الأدبي: الاعتبارات الموضوعية المرتبطة بالشعر وصُوَر المؤلفين الخاصة بجائزة رافائيل ألبرتي للشعر (2000-2013)”، فيخصصه لويس غارسيا- بيلا لتقديم دراسة شاملة وتحليلية لجائزة رافائيل ألبرتي للشعر (2000-2013). حيث تتألف دراسته التحليلية من ثلاثة محاور: 1) مراجعة تاريخية وسياقية للجائزة وارتباطها بالظروف الخارجة عن النص في الإنتاج الأدبي؛ 2) مقاربة سوسيولوجية لِصُوَرِ المُؤلفين، تسمح برسم خريطة لِلنَّواةِ المؤسساتية التي ترسخت فيها الكتابة باللغة الإسبانية؛ و3) قراءة نقدية-أدبية للدَّواوين الشعرية الحائزة على هذه الجائزة، مع إيلاء اهتمام خاص لتشكيل الذات الشعرية. تُظهِر هذه الدراسة فضاءً أدبيًا متعدد الأطراف، ترتبط فيه الجامعات والشبكات المهنية ببعضها البعض، كما تبرز تنوع الأصوات التي تبني كل ما هو موضوعي وذاتي وتتقاطع معه اللغة والألم والحب والهجرة وتجربة تداخل الثقافات.
يُختتم الكتاب بمشروع مهم يهدف إلى إنشاء مستودع أو مخزن إلكتروني للشعر. وهو موضوع الفصل الذي كتبه لويس غارسيا- بيلا بعنوان “من التناثر إلى المتن الواحد: مشروع CoPoHiM والخريطة الرقمية للشعر الإسباني-المغاربي”، ويقدم المؤلف عرضًا مُفَصَّلا لمشروع CoPoHiM (مجموعة الشعر الإسباني-المغاربي)، وهي مبادرة تهدف إلى جمع خرائط للشعر الإسباني-المغاربي وفهرستها وتصميمها ، مع التركيز على الإنتاج المغربي باللغة الإسبانية، وكذلك لأعمال المؤلفين التونسيين والجزائريين. انطلاقاً من منهجية تستند إلى المصادر الببليوغرافية والرقمية والمقابلات مع المؤلفين، لقد أنشأ المشروع قاعدة بيانات علائقية تسمح بتحليل الإنتاج الشعري من حيث الأبعاد الزمنية والجغرافية والعابرة للحدود الوطنية أيضا. كما يعرض هذا العمل الأسس والأهداف والنماذج المرجعية، وكذلك نتائج المرحلة الأولى من المشروع (2024-2025)، مع التركيز على قيمة هذه الأعمال الشعرية الهادفة إلى إبراز تراث أدبي هامشي وحسّاس، دون إغفال مناقشة انعكاسات هذا المشروع على البحث الأكاديمي، والحفاظ على التراث الأدبي، وتعزيز الأدب الإسباني-المغاربي وارتباطه بالتيارات الشعرية الإسبانية الأخرى.
ختاما، يمكن اعتبار هذا الإصدار الجديد:” الأدب المغربي المكتوب باللغة الإسبانية. خرائط نقدية أخرى“، إضافةً نوعية، تُعَزِّز قائمة إصدارات الباحثين المغاربة الذين يكتبون بلغة ثيربانتيس، ومساهمةً بارزة أخرى متعددة الأبعاد في الخطاب النقدي المعاصر حول الأدب الإسباني-المغاربي الجديد المكتوب في كل من المغرب وبلدان المهجر.

*أستاذة باحثة ومترجمة (خريجة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى