
فوبيا المغرب: عندما يصبح “سقوطنا” أمنيتهم الوحيدة
لسنا بحاجة إلى حاسة سادسة لندرك حجم التراجع الحاد في منسوب “التعاطف” الإقليمي والقاري مع منتخبنا الوطني ففجأة وبلا مقدمات منطقية تحولت منصات التواصل وشاشات بعض الفضائيات الرياضية العربية والإفريقية إلى خنادق مفتوحة لجلد كل ما هو مغربي.
الذين كانوا بالأمس القريب وتحديداً في قطر 2022، يذرفون دموع الفرح لانتصارات “أسود الأطلس” هم أنفسهم اليوم من يجلسون على قارعة الطريق ينتظرون عثرة مغربية ليشمتوا أو هفوة تكتيكية ليقيموا مأتم التشكيك والتقزيم.
ما الذي تغير؟!
هل ارتكبنا خطيئة كروية؟ هل أدرنا ظهرنا لمحيطنا؟
الجواب البسيط والعميق في آن واحد:
هي خطيئة “النجاح الكاسح وغير المتوقع”. ففي قطركان أسود الأطلس في نظر جيرانهم وأشقائهم مجرد “منتخب طموح” يمثل العرب والأفارقة ويُدعى له بالتوفيق.
أما اليوم.. فالمغرب يجلس فوق مقاعد الكبار كقوة كروية مهيمنة، مصنفة أولى قاريّاً وعربيّاً.
والكبار -كما نعلم- لا يحظون بالحب دائماً بل يُحارَبون ويُحسب لهم ألف حساب.
ولم يعد الأمر مجرد استنتاج بل بات يُعبَّر عنه بوقاحة غير مسبوقة على الشاشات كما هو حال ذاك المعلق الرياضي المصري الذي صرح في برنامج واسع الانتشار قائلًا بلا خجل: “أتمنى خروج المغرب من البطولة قبل مصر.. وسأعتبر هذا أول إنجاز لمنتخبنا!”.
لا نتحدث هنا عن تحليل كروي بل عن “عقدة نقص” مركبة لقد تحول إقصاء المغرب في حد ذاته إلى إنجاز وطني في جغرافيات أخرى.. وبات الهدف الإقليمي ليس تسلق القمة بل إنزال من يتربع عليها.
والقصة لا تقف عند حدود المستطيل الأخضر فالكرة في عالمنا الإقليمي والقاري هي “ترمومتر” يقيس حرارة السياسة والتنمية.
فالنجاح المغربي في تنظيم الاستحقاقات الكبرى والقفزة المهولة في البنية التحتية والمطارات والملاعب العالمية تحولت كلها إلى “أداة إحراج سياسي وتنموي” قاسية للعديد من الأنظمة في المنطقة.
فالمواطن في عواصم تسبح فوق بحار من النفط والغاز أو تمتلك تاريخاً ديمغرافياً ضخماً وهو يتابع تفاصيل الإبهار المغربي في تنظيم “الكان” والاستعداد للمونديال بات يطرح على حكامه أسئلة حارقة:
“لماذا نجح المغاربة وفشلتم أنتم؟ أين ذهبت ثرواتنا؟ وكيف لبلد لا يملك آباراً للنفط أن يقدم درساً عالمياً في التدبير والريادة؟”.
أمام هذا الإحراج الشعبي الداخلي لم تجد الآلات الإعلامية الموجهة في بعض الدول سوى خيار “الهجوم المضاد” بواسطة “بروباغاندا سوداء” تستهدف الرموز عبر فبركة تهم رخيصة وإشاعات مضحكة من قبيل منع رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم السيد فوزي لقجع من دخول أمريكا بتهمة ترويج المخدرات!
لكن حبل الكذب الإعلامي الممنهج قصير جداً أمام الصور المتلفزة القادمة من مطار نيوجيرسي بولاية نيويورك حيث خصصت السلطات هناك استقبالاً دبلوماسياً رسمياً لوزير الميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم السيد فوزي لقجع بمعية وفد رفيع عن بروتوكول “الفيفا” وبمحطة خاصة وسجاد أحمر في رسالة بروتوكولية واضحة تعكس حجم القيمة والاعتبار الفعلي الذي يحظى به المسؤول المغربي دولياً.
إنّ استهداف السيد لقجع هنا ليس عبثاً فالرجل في نظرهم هو “المهندس” الذي فكك منظومة الفساد الرياضي القاري، ونقل القرار الكروي من عواصم الهيمنة التقليدية إلى الرباط مستنداً إلى لغة المؤسسات والكفاءة.
بل بلغت هذه الكوميديا السوداء حد الإفلاس الفكري التاريخي فلجأوا إلى ممارسة “سرقة الهوية” بشكل مضحك ومخزٍ مستهدفين هذه المرة الإطار والناخب الوطني محمد وهبي بادعاء أن أصوله تعود إلى مدينة وهران !
وهي مفارقة صارخة وسريالية تكشف حجم الفصام الإعلامي والسياسي متناسية أن عائلة والد ووالدة المدرب محمد وهبي هما في الحقيقة من ضحايا المأساة الإنسانية الشهيرة ومن بين آلاف المغاربة الذين تعرضوا للتهجير القسري والطرد التعسفي الأسود الذي نفذه هواري بومدين فجر عيد الأضحى سنة 1975 في تلك المحطة المظلمة التي وُشِمت في الذاكرة بـ “المسيرة الكحلاء”.
أمام هذه الحرب التي بدأت باكرا يكفي لنجمتنا الخضراء فخراً أننا كنا الرقم الصعب الذي غيّر معادلة الكرة العالمية وجعلنا القارة الأفريقية بأكملها تتحدث بثقة -ولأول مرة- عن نيل لقب كأس العالم.
نحن الذين حررنا العقول العربية والإفريقية من عقدة النقص والخوف.. وفتحنا للجميع نافذة الحلم بعد أن كانت مغلقة لعقود.
بهذا المعنى، نعتبر هذا المدّ الجارف من التشكيك وتلك الشائعات التي تحاول النيل من رموزنا ليست أخباراً سيئة.. بل هي الكلمة الأخيرة في شهادة ميلاد تفوقنا حين يغدو سقوطنا أمنية وإقصاؤنا إنجازاً وطنياً للآخرين.
وفي هذا السياق أستحضر فقرة من خطاب جلالته في القمة المغربية الخليجية بالرياض (20 أبريل 2016)، حيث قال جلالته مسطراً لملامح هذا الواقع:
“… إن الوضع خطير خاصة في ظل الخلط الفاضح في المواقف وازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف ومحاولات الطعن من الخلف.”
من هنا نؤكد جازمين أنه لا وقت لدينا للالتفات إلى الخلف لإحصاء سهام الغدر فلتأخذوا ما طاب لكم من الوقت ولْتحقدوا كما تشاؤون ووقتما تشاؤون..
أما نحن فقوافلنا التي تصنع التاريخ تمضي شامخة وبخطى واثقة صوب القمة مستظلة بلواء شعارنا الخالد:
الله الوطن الملك
تاركة خلفها صدى الغبار
وعتمة الذهول
وصمت العاجزين..!
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



