
حين يصبح المنصب نقمة..
- بقلم حبيبة أكجديم * //
في الأنظمة الديمقراطية، تمنح الانتخابات التشريعية للمواطنين حق اختيار من يمثلهم ويشارك في صناعة القرار وتوجيه السياسات العمومية. غير أن صناديق الاقتراع، مهما كانت أهميتها، لا تملك القدرة على منح المعرفة أو الحكمة أو الكفاءة لمن يفتقدها. فهي تمنح الشرعية السياسية، لكنها لا تمنح بالضرورة أهلية الفكر وسعة الإدراك.
ولعل من أكثر المفارقات إثارة للاستغراب أن نجد بعض المسؤولين الذين وصلوا إلى مواقع التأثير والقرار يخرجون بين الفينة والأخرى بتصريحات وآراء تكشف حجم الهوة بين المنصب الذي يشغلونه ومستوى فهمهم للقضايا التي يتناولونها.فبدل أن تعكس مواقفهم عمقا في التحليل وإحاطة بالمعطيات، تأتي أحيانا محملة بالأحكام الجاهزة والتفسيرات السطحية والاستنتاجات التي لا تصمد أمام أبسط نقاش موضوعي.
ليس العيب في الجهل ذاته، فكل إنسان يجهل أمورا كثيرة، وإنما العيب في الإصرار على الحديث في كل شيء وكأن المعرفة حق مكتسب بمجرد الجلوس على كرسي المسؤولية. فهناك فرق كبير بين من يدرك حدود معرفته فيبحث ويتعلم ويستشير أهل الاختصاص، وبين من يعتقد أن المنصب يمنحه سلطة على الحقائق نفسها.
إن المسؤولية السياسية ليست استعراضا للآراء الشخصية ولا منصة لإطلاق الانطباعات العابرة، بل هي التزام أخلاقي وفكري يفرض على صاحبها التحري والدقة والقدرة على التمييز بين الرأي والمعرفة، وبين الخطاب الشعبوي والتحليل الرصين.
ومتى نستخدم الاثنين ،فالكلمات الصادرة عن أصحاب القرار لا تقاس بوزنها اللغوي فقط، بل بما تتركه من أثر في الرأي العام وفي صورة المؤسسات التي يمثلونها.
وحين يتكرر صدور تصريحات تفتقر إلى الحد الأدنى من الإلمام بالموضوعات المطروحة، يصبح من المشروع التساؤل: هل المشكلة في الأشخاص أم في ثقافة سياسية أصبحت تعتبر الفوز الانتخابي شهادة كفاءة شاملة؟ وهل يكفي الحصول على أصوات الناخبين ليصبح المرء خبيرا في الاقتصاد والقانون والتعليم والعلاقات الدولية وسائر القضايا المعقدة؟
إن الديمقراطية لا تكتمل بالانتخاب وحده،بل تحتاج أيضًا إلى مسؤولين يدركون أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن احترام المواطنين يبدأ باحترام عقولهم. فكلما ارتفع المنصب، ازدادت الحاجة إلى التواضع المعرفي، لأن أخطر أشكال الجهل هو ذلك الذي يعتقد صاحبه أنه يعلم كل شيء.
*أستاذة وباحثة وفاعلة مدنية
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



