أكادير اليوم

بيلماون 2026:  أكادير ترتدي قناع الفرح الأمازيغي وتراهن على كرنفال بمواصفات دولية

أكادير  اليوم – لم يكن “بيلماون، الكرنفال الدولي لأكادير” في دورته الثالثة مجرد موعد احتفالي عابر، بل بدا خلال الأيام الأخيرة وكأنه مشروع ثقافي متكامل يسعى إلى إعادة تقديم أحد أبرز الموروثات الاحتفالية الأمازيغية في قالب عصري يجمع بين الفرجة والفنون والبحث العلمي والتنشيط الترابي. فمنذ افتتاح “قرية الكرنفال” بحديقة ابن زيدون، وصولاً إلى الاستعراض الكبير على كورنيش أكادير، عاشت المدينة على إيقاع تظاهرة أخذت تتوسع سنة بعد أخرى لتتحول إلى أحد أهم المواعيد الثقافية بالجهة.

وخلال ما شاهدناه من الحضور الكبير للجمهور من كل الفئات العمرية، وما نشرته المنصات الإعلامية المحلية والوطنية، إضافة إلى الصور والتقارير المتداولة، يكشف عن نجاح تنظيمي واضح ورغبة حقيقية في الارتقاء بالكرنفال من مناسبة شعبية مرتبطة بتراث “بوجلود” أو “بيلماون” إلى حدث دولي قادر على استقطاب الزوار والباحثين والمهتمين بالتراث اللامادي.

أكادير تتحول إلى مسرح مفتوح

اختارت إدارة الكرنفال هذه السنة توزيع الأنشطة على عدد من الفضاءات العمومية والثقافية بالمدينة. فقد احتضنت حديقة ابن زيدون “قرية الكرنفال” التي ضمت ورشات لصناعة الأقنعة والأزياء التنكرية، ومعارض للصور التاريخية، وفضاءات للطفل والأسرة، إضافة إلى فقرات فنية وترفيهية استهدفت مختلف الفئات العمرية. كما انتقلت الأجواء إلى ساحة الأمل التي احتضنت سهرات فنية أمازيغية، قبل أن يبلغ الحدث ذروته مع الاستعراض الكبير بكورنيش أكادير.

اللافت في هذه الدورة هو الحرص على جعل الكرنفال حاضراً في قلب المدينة وليس داخل فضاء مغلق، بما يمنح السكان والزوار فرصة التفاعل المباشر مع مختلف الفعاليات، ويعزز الطابع الشعبي للاحتفال دون أن يفقده بعده التنظيمي والمؤسساتي.

جزر الكناري.. ضيف شرف يعزز البعد الدولي

اختيار جزر الكناري ضيف شرف للدورة الثالثة لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل حمل دلالات ثقافية وتاريخية مرتبطة بعمق الروابط الإنسانية والحضارية بين الضفتين. ووفق المعطيات المنشورة، شاركت وفود أكاديمية وفنية وتراثية من الأرخبيل الإسباني في عدد من الأنشطة واللقاءات، ما منح التظاهرة بعداً دولياً إضافياً وساهم في فتح نقاش أوسع حول المشترك الثقافي الأمازيغي الأطلسي.

من الفرجة إلى التفكير في التراث

أحد أهم مؤشرات نضج التجربة يتمثل في إدراج أنشطة أكاديمية ضمن البرنامج، من بينها ندوة دولية حول موضوع “الكرنفال والمتحف”، إضافة إلى لقاءات تناقش آليات تثمين التراث اللامادي ومأسسة الاحتفالات الشعبية. هذا التوجه يعكس انتقال بيلماون من مجرد عرض كرنفالي إلى فضاء للتفكير في مستقبل الموروث الثقافي وسبل حمايته وتطويره.

كما أن تشكيل لجنة تحكيم ضمت أسماء من مجالات الفن والسينما والبحث الأكاديمي يؤكد الرغبة في إضفاء مزيد من الاحترافية على المسابقة الخاصة بالأزياء والأقنعة واللوحات الكرنفالية.

رهان ثقافي وسياحي متصاعد

تظهر الصور والتقارير المنشورة إقبالاً جماهيرياً مهماً على مختلف الفعاليات، خصوصاً تلك المنظمة في الفضاءات المفتوحة. ويبدو أن المنظمين يراهنون على جعل الكرنفال إحدى العلامات الثقافية المميزة لأكادير، على غرار كرنفالات عالمية استطاعت أن تتحول إلى رافعة اقتصادية وسياحية وثقافية للمدن التي تحتضنها.

وفي هذا السياق، لا يقتصر دور بيلماون على إحياء طقس احتفالي متجذر في الذاكرة الجماعية للسوسيين، بل يتجاوزه إلى إعادة تقديم الثقافة الأمازيغية في صورة معاصرة تستثمر الإبداع الشبابي في صناعة الأقنعة والمجسمات ومسرح الشارع والفنون البصرية.

عود على بدء

ورغم المكاسب المحققة، فإن التحدي الحقيقي أمام بيلماون لا يكمن فقط في عدد المشاركين أو حجم الاستعراض، بل في قدرته على الحفاظ على روحه الشعبية الأصيلة وسط متطلبات التسويق الثقافي والسياحي.

فالنجاح التنظيمي مهم، لكن الأهم هو أن يبقى الكرنفال وفياً لذاكرته الجماعية ولرمزيته الثقافية العميقة باعتباره تعبيراً عن الخيال الشعبي الأمازيغي واحتفالاً بالهوية والانفتاح في آن واحد.

ومع كل دورة جديدة، يبدو أن أكادير تقترب أكثر من ترسيخ “بيلماون” كعلامة ثقافية دولية تحمل بصمة سوس والأمازيغية إلى العالم، وتؤكد أن التراث حين يجد من يؤمن به ويؤطره بذكاء، يمكن أن يتحول إلى قوة ناعمة حقيقية للمدينة والجهة والبلد بأكمله.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى