
بيلماون في كورنيش أكادير : حين يستعيد الطقس مجاله
- الحسين بويعقوبي //
في هذه السنة، إختار منظمو الدورة الثالثة ل”بيلماون، الكرنفال الدولي لأكادير”، كورنيش المدينة، أسفل أكادير أوفلا التاريخي، ومقابل المحيط الأطلسي، حيث جزر كناريا، ضيف شرف الدورة، لتنظيم الاستعراض الكبير.
سياحيا هناك شبه إجماع على نجاح اختيار المكان، والشيء نفسه تنظيميا، لأنه جنب المدينة اختناق حركة السير لمدة طويلة حين ينظم في شارع محمد الخامس، كما كان الحال في الدورتين السابقتين.
لكن العلاقة بمكان التنظيم في مدينة أكادير بالضبط يمكن قراءته وفق منظور آخر، خاصة في علاقة الطقس بفضائه التاريخي محليا، وكيف يستعيد هذا الطقس مجاله ولو بعد عقود من القطيعة.
لقد كان قدر أكادير أن يكون زلزال سنة 1960 حاسما في تنظيم مجالها الترابي، وفي التصور الحضري الجديد لما ستكون عليه المدينة بعد إعادة بناتها، كما أحدث الفجعة قطيعة ثقافية بين الأجيال حين فقدت أكثر من ثلثي ساكنتها، كان من نتائجه تأثر الممارسات الثقافية للساكنة المحلية، حيث انقرض بعضها، كتلك المتعلقة بالبحر، واضطر بعضها للمقاومة بعيدا عن المدينة الجديدة.
وكان شارع الحسن الثاني بمثابة حد فاصل ليس فقط بين مجال خاص بالسياح في اتجاه البحر ومجال خاص بالسكان الأصليين في الإتجاه الآخر، بل أيضا بين ممارسات ثقافية وسلوكات معينة مقبولة في المجال “المتمدن”، حيث القرب من السياح، وممارسات “شعبية”، تدفع للهامش، بعيدا عن أعين الزوار الأجانب، وضمنها طقس “بيلماون”.
ولهذا ظلت أحياء مثل بوتشكات وأمسرنات وإحشاش محافظة نسبيا على هذا الطقس، واحتضنته أكثر ساكنة المجالات البعيدة نسبيا كالديرون وانزكان وأيت ملول ودواوير كسيمة ومسكينه ، القبيلتين التاريخيتين المؤثرتين في المنطقة.
يتذكر كبار سن أكادير، أن “بيلماون” كان يمارس فيه أكادير أوفلا، وكانت ساكنة تالبرجت، أسفل التل تنتظر قدومه بفارغ الصبر ليخلق الخوف والفرجة في الآن نفسه. كان الطقس ملازما لعيد الأصخى، ولا يمكن تصور الواحد ذون الآخر فهما وجهان لعملة واحدة.
كان ممارسوا هذا الطقس أفرادا معدودين، تم ازداد عددهم بارتفاع عدد سكان المدينة وتزايد أحيائها. لم يكن ممارسوا طقس بيلماون يعتقدون أنه سيأتي يوم سيدفعون إلى الهامش، بدعوى أن أكادير أوفلا والمنطقة الشاطئية لم تعودا مجالين قابلين لاحتضان هذه الممارسة. فالمجال تغير، وأصبح معدا للسياح، ولم يعد ل”بيلماون” مكان في مجاله الطبيعي.
بعد عقود من الإقصاء المجالي لممارسة ثقافية عريقة ومتجذرة، عاد “بيلماون” لمجاله التاريخي، شارع محمد الخامس في قلب المدينة العصرية، وكورنيش أكادير، المنفتح على العالم. وكما تغير المجال تغير بيلماون العائد من بعيد. جاء بحلة جديدة، ظلت متشبتة ببعض عناصر التراث، لكن بمنظور متجدد يستجيب لانتظارات المدينة الجديدة، ذات 500000 من الساكنة، وما يقارب المليون نسمة في محيطها.
لقد انتقلنا من “بيلماون” إلى “الكرنفال”، بما تحمله الكلمة من معنى. ولعل الجمع بين الكلمتين، في تسمية “بيلماون، الكرنفال الدولي لأكادير”، هو ما تسعى مدينة أكادير لتحقيقه:أن تكون مدينة ذات هوية ثقافية لا تتنكر لأصولها، لكن منفتحة على العالم.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



