
إكرام الناصرية تفتح أحضانها للنصارى: التحولات الدينية والثقافية في مجال الهجرة بآيت عميرة
قد يبدو هذا العنوان مستفزًا للوهلة الأولى، غير أن العودة إلى التاريخ المحلي والتحولات الاجتماعية التي عرفتها المنطقة تجعل منه مدخلًا لفهم واقع جديد أكثر منه حكمًا أو موقفًا.
ترتبط قرية إكرام، في أصلها، بالزاوية الناصرية بتمكروت، إذ كانت تُعرف باعتبارها من القرى التابعة لإشعاعها الروحي. وكانت قبائل اشتوكة تؤدي ما يعرف بـ”تامكروت”، وهو جزء من محصول الحبوب الذي يُقتطع من البيدر ويُجمع في مسجد القرية إلى حين حضور مقدم الزاوية لتسلمه، في طقس ديني واجتماعي يعكس مكانة الزاوية في تنظيم الحياة المحلية.
وخلال النصف الأول من القرن العشرين، لم يكن مركز آيت عميرة قد اكتسب بعد مكانته الحالية، بينما كانت غزالة وعين عمارة تمثلان المركز الإداري والسياسي للمجال، حيث كان يقيم القائد الحسين العميري، الذي عينته سلطات الحماية الفرنسية بظهير سلطاني صادر عن السلطان مولاي يوسف، بعد مهمة استطلاعية أنهت هيمنة بعض القيادات التقليدية بالمنطقة. وقد ارتبط اسم العميري بقبيلة بني عمير التي استقرت بالمجال منذ أواخر العصر الموحدي، قبل أن تستعيد مكانتها خلال العهد السعدي.
إلى حدود تسعينيات القرن الماضي، ظلت إكرام وفية لهويتها الروحية. فقد كان ضريح أوتلميط، وأسر “إكرامن”، وكثرة المنتسبين إلى لقب الناصري، كلها مؤشرات على استمرار النفوذ الصوفي داخل القرية. وكانت جلسات الذكر والأوراد وزيارات المريدين تشكل جزءًا من الحياة اليومية للسكان.
غير أن موجات الهجرة الداخلية القادمة من مزيان والشياظمة وورزازات وشيشاوة وغيرها، أحدثت تحولات عميقة في البنية السكانية. فتراجع حضور الأسر الأصلية التي غادر كثير منها نحو أكادير، بينما ظهرت أحياء جديدة تحمل أسماء غير مألوفة في المجال، مثل دوار الزيباط، ودوار الريزو، ودوار الدبزة وغيرها. وارتفع عدد الأسر من حوالي 250 أسرة سنة 1992 إلى أكثر من أربعة آلاف أسرة في الوقت الراهن.
وبعد سنة 2016 دخلت القرية مرحلة جديدة مع تزايد استقرار المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء. ففي ظرف وجيز تجاوز عددهم ثلاثة آلاف شخص، ينحدرون من السنغال، والكوت ديفوار، وغينيا كوناكري، والكاميرون، ومالي، والطوغو، وبنين، والسودان، وتشاد، ونيجيريا، والنيجر، وغيرها.
هذا التنوع الديمغرافي رافقه تنوع ديني غير مسبوق. فإلى جانب الإرث الناصري الصوفي، أصبحت القرية تحتضن مهاجرين مسلمين ينتمون إلى الطريقة التجانية وجماعة المريدين، كما استقر بها مهاجرون مسيحيون من الكاثوليك والبروتستانت، إضافة إلى مجموعات أخرى تمارس معتقدات وطقوسًا دينية مختلفة.
وقد أفرز هذا الواقع الجديد بعض التوترات في السنوات الأولى للاستقرار، خاصة خلال شهر رمضان سنة 2019، حين وقعت احتكاكات بين بعض السكان المحليين وبعض المهاجرين الأفارقة بسبب اختلاف العادات المرتبطة باللباس أو تناول الطعام نهارًا، وهي ممارسات عادية بالنسبة لغير المسلمين لكنها كانت تُستقبل برفض داخل المجتمع المحلي. وتعكس هذه الأحداث ما يمكن تسميته بـ”الصدمة الثقافية”، الناتجة عن غياب الاستعداد المجتمعي والمؤسساتي لتدبير التنوع.
ومع مرور الوقت، بدأت الجاليات المهاجرة في تنظيم نفسها داخل تجمعات حسب بلدان الأصل، وبرز وسطاء ثقافيون ساهموا في التواصل مع الساكنة المحلية والجمعيات والمؤسسات المعنية بالهجرة، مما ساعد تدريجيًا على ترسيخ أشكال من التعايش المشترك.
وفي هذا السياق، أصبحت إكرام تشهد أنشطة دينية جديدة، مثل اللقاءات والاحتفالات التي تنظمها الطرق الصوفية الإفريقية، خاصة التجانية والمريدية، سواء فوق أسطح المنازل أو داخل الخيام، وهي أنشطة لم تثر في الغالب أي إشكال بحكم انتمائها إلى المرجعية الإسلامية.
في المقابل، عمدت مجموعة من المهاجرين المسيحيين إلى تحويل أحد المساكن إلى فضاء للعبادة، مستفيدين من وجود قس قادم من الكوت ديفوار لتأطير الصلوات واللقاءات الدينية. غير أن النشاط توقف بعد إخبار مالك المسكن السلطات المحلية، التي وجهت الراغبين في ممارسة شعائرهم إلى الكنيسة الموجودة بمدينة أكادير، باعتبارها الفضاء القانوني المخصص لذلك.
إن هذه الوقائع تعكس حجم التحول الذي تعرفه إكرام، من قرية ارتبط اسمها بالزاوية الناصرية إلى فضاء متعدد اللغات والثقافات والأعراق والديانات. ولم تعد الهوية المحلية قائمة على التجانس الذي ميزها لعقود، بل أصبحت تتشكل داخل مجتمع يعرف تنوعًا متزايدًا يفرض أسئلة جديدة حول تدبير العيش المشترك، واحترام التعدد الديني والثقافي، وآليات الإدماج الاجتماعي.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل أصبح المجتمع المحلي مستعدًا لتقبل هذا التحول؟ وهل تمتلك المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والمدرسة والجمعيات رؤية استباقية لمواكبة هذا الواقع الجديد، الذي لن يقتصر أثره على الفضاء السكني، بل سيمتد إلى المدرسة، والشارع، وسوق الشغل، ومختلف فضاءات الحياة العامة؟
إن ما يحدث في إكرام ليس مجرد تحول محلي، بل هو نموذج مصغر للتحولات التي تعرفها مجالات الهجرة بالمغرب، ويستحق أن يُدرس بوصفه مختبرًا اجتماعيًا لفهم رهانات التعدد الثقافي والديني في مجتمع يشهد تغيرات متسارعة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



