
الأطلس الصغير: نهب الأعشاب العطرية والطبية.. من يحمي ثروة المغرب النباتية من الاستنزاف؟
في الوقت الذي كانت فيه الأمطار الاستثنائية تبشر بميلاد موسم استثنائي يعيد الحياة إلى جبال أدرار الأطلس الصغير، كانت شبكات الاستغلال غير المنظم تستعد لموسم آخر؛ ليس موسم الحصاد، بل موسم استنزاف واحدة من أغنى الثروات الطبيعية بالمغرب.
الصور الملتقطة يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026 لا توثق مجرد عملية جمع للأعشاب العطرية والطبية، بل تكشف واقعاً مقلقاً تتحول فيه الجبال إلى فضاء مفتوح للاقتلاع الجائر، في مشهد يطرح سؤالاً كبيراً: من يحمي الرأسمال الطبيعي الوطني؟
ففي مناطق عديدة من الأطلس الصغير، لم تعد النباتات الطبية والعطرية تُجمع وفق قواعد الاستدامة، بل تُقتلع من جذورها بكميات كبيرة، وكأن الطبيعة مورد لا ينضب. والأخطر أن هذه الممارسات لا تبدو معزولة أو فردية، بل تشير شهادات السكان إلى نشاط مجموعات منظمة تجوب الجبال من منطقة إلى أخرى، مدفوعة بطلب متزايد من الأسواق وبمنطق الربح السريع، بينما تتراجع قدرة المراقبة والزجر.
إن المشهد لا يتعلق فقط بنباتات برية تختفي من سفوح الجبال، بل بمنظومة بيئية كاملة تتعرض للتفكيك. فكل نبتة تُقتلع من جذورها تعني خسارة للتنوع البيولوجي، وتسريعاً لانجراف التربة، وإضعافاً لقدرة الجبال على مقاومة الجفاف والتغيرات المناخية، وتهديداً لمورد اقتصادي تعيش عليه آلاف الأسر القروية.
والمثير للقلق أن هذا النزيف يتكرر كل عام، وكأنه أصبح أمراً عادياً. فهل يعقل أن يظل المغرب، وهو من أغنى بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط بالنباتات العطرية والطبية، عاجزاً عن حماية هذا الإرث الطبيعي؟ وهل يعقل أن تتحول الثروة النباتية إلى ضحية لفراغ تنظيمي وضعف المراقبة، بينما تتزايد قيمتها في الأسواق العالمية؟
إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجامعين وحدهم، بل تمتد إلى كل من سمح باستمرار هذا الواقع دون بناء منظومة فعالة للحكامة البيئية، من التخطيط إلى المراقبة، ومن منح التراخيص إلى تتبع مسالك التسويق والتصدير.
إلى وزارة الفلاحة والتنمية القروية: حماية النباتات العطرية والطبية ليست ملفاً ثانوياً، بل قضية سيادة بيئية واقتصادية تستوجب استراتيجية وطنية عاجلة.
إلى الوكالات والمؤسسات المكلفة بالغابات والمحافضة على التنوع البيولوجي: أين برامج الرصد الميداني؟ وأين تقييم الأثر البيئي؟ وأين تطبيق القانون في المناطق التي تتكرر فيها عمليات الاقتلاع الجائر؟
إن حماية الجبال لا تكون بالمراقبة الموسمية فقط، بل بحضور دائم يردع الاستغلال غير المشروع ويحمي حق الساكنة في مواردها الطبيعية.
إلى التعاونيات والفاعلين الاقتصاديين: لا يمكن الحديث عن الاقتصاد الأخضر بينما تُبنى بعض سلاسل التوريد على استنزاف المورد الطبيعي.
فكل نشاط اقتصادي لا يحترم قدرة الطبيعة على التجدد هو استثمار في تدمير المستقبل.
إلى البرلمانين ومدبري الشان العام وصناع القرار: لقد آن الأوان لمراجعة الإطار القانوني المنظم للنباتات العطرية والطبية، وتشديد العقوبات على الاقتلاع الجائر، وإقرار نظام تتبع يضمن معرفة مصدر كل منتج يدخل الأسواق الوطنية أو يغادرها نحو التصدير.
إن الأطلس الصغير لا يطلب الشفقة، بل يطالب بالعدالة البيئية. فالجبال التي صمدت لقرون في وجه الجفاف والتغيرات المناخية، قد لا تصمد طويلاً أمام اقتصاد يقوم على استنزاف الطبيعة دون حساب.
إن التاريخ لن يسجل فقط من اقتلع النباتات، بل سيسجل أيضاً من امتلك سلطة القرار، ورأى هذا النزيف يتكرر موسماً بعد آخر، واكتفى بالمشاهدة.
إن حماية الأعشاب العطرية والطبية لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والمجتمع على حماية الرأسمال الطبيعي المغربي. فالثروات التي تهدر اليوم قد لا تعود غداً، وما يُقتلع في ساعات قد يحتاج إلى عقود كي تستعيده الطبيعة، إن استطاعت ذلك أصلاً.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News





