الجهة اليومالرأي

أيت عميرة وسيدي بيبي: مجال واحد وثقافات متعددة

  • أكادير اليوم – خالد ألعيوض //

لعل من أبرز النتائج غير المرئية للهجرة، والتي لا تحظى بما تستحقه من اهتمام في النقاش العمومي، تلك المرتبطة بقضايا العيش المشترك والتثاقف داخل المجالات المستقبلة للهجرة. فالهجرة لا تقتصر على انتقال الأفراد، بل تشمل أيضاً انتقال القيم واللغات والعادات وأنماط العيش، بما يجعلها عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل المجال اجتماعياً وثقافياً.

وقد أشرنا في مقالات سابقة إلى أن منطقة أيت عميرة وسيدي بيبي عرفت، خلال العقود الأخيرة، موجات متتالية من الهجرة. فقد استقبلت في البداية مهاجرين مغاربة من مختلف جهات المملكة، ثم أصبحت وجهة لآلاف الوافدين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، ويبدو أنها تعرف اليوم موجة جديدة من العمال القادمين من بنغلاديش، في سياق التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي يشهدها العالم. ويؤكد هذا المسار أن المجال لم يعد مجرد فضاء للإنتاج الفلاحي، بل أصبح فضاءً لاستقبال جماعات بشرية متعددة الأصول والثقافات.

وإذا كانت الهجرة حقاً تكفله المواثيق الدولية، فإن مجالات الاستقبال ليست دائماً مؤهلة لاحتضان القاطنين الجدد، سواء من حيث البنيات التحتية أو من حيث آليات الإدماج الاجتماعي والثقافي. فالمهاجر لا يحمل معه حقيبة الملابس فقط، بل يحمل أيضاً “حقيبة الثقافة”. فهو ينتقل بلغته، وموسيقاه، وعاداته الغذائية، وأنماط لباسه، وأشكال تدينه، ورؤيته للعالم. ولذلك فإن الهجرة ليست مجرد انتقال للأشخاص، وإنما هي أيضاً انتقال للثقافات.

ويبرز هذا التحول بشكل واضح داخل المجال القروي، حيث تمثل قرية إكرام نموذجاً معبراً عن هذه الدينامية. فقد أصبحت تضم ساكنة تنحدر من ما يقارب خمس عشرة دولة، الأمر الذي دفعنا إلى وصفها بـ”القرية الإفريقية” أو “القرية العابرة للقارات”، باعتبارها فضاءً تتعايش فيه هويات وثقافات متعددة داخل مجال قروي محدود المساحة.

وقد عرف هذا المجال خلال أقل من عشر سنوات تحولات متسارعة وعميقة مست مختلف مظاهر الحياة اليومية.

فعلى مستوى اللغة والتواصل، كانت اللغة السائدة إلى وقت قريب هي الأمازيغية (تاشلحيت)، قبل أن تتراجع تدريجياً مع تزايد الوافدين من مناطق مغربية أخرى ومن خارج المغرب. فأصبحت العربية الدارجة، وأمازيغية الأطلس، ولهجات إفريقية مثل الولوف، إلى جانب الفرنسية، حاضرة في الفضاء العام. وقد أفرز هذا التعدد اللغوي أشكالاً جديدة من التواصل اليومي، قوامها المزج بين أكثر من لغة، بما يشبه ميلاد لغة محلية هجينة تعكس واقعاً اجتماعياً متعدد الثقافات.

أما على مستوى الممارسات الدينية، فرغم أن الإسلام يظل الدين الغالب، فإن أشكال التدين أصبحت أكثر تنوعاً. فإلى جانب المذهب المالكي السائد، نجد أتباع الطريقة التيجانية والطريقة المريدية لدى عدد من السنغاليين، كما يحضر مهاجرون من مالي وكوت ديفوار يحملون ممارسات دينية متنوعة. وإلى جانب المسلمين يوجد مسيحيون كاثوليك وبروتستانت، فضلاً عن أشخاص يحافظون على بعض المعتقدات التقليدية الموروثة. ويعكس هذا التنوع واقعاً دينياً غير مسبوق داخل مجال قروي كان إلى عهد قريب أكثر تجانساً.

ويعد سوق الخميس بقرية إكرام أكثر الفضاءات تعبيراً عن هذا التنوع الثقافي. فإلى جانب سوق الخميس التاريخي بمركز أيت عميرة، نشأ سوق آخر بإكرام يبدأ نشاطه بعد الساعة الثانية زوالاً، تماشياً مع أوقات عمل القاطنين الجدد في الضيعات الفلاحية. وبعد الساعة الخامسة مساءً يتحول هذا السوق إلى فضاء يشبه الأسواق الإفريقية الكبرى، الأمر الذي دفعني إلى تسميته مجازاً “خميس تمبكتو”، في إشارة إلى الحضور المكثف للقاطنين الجدد المنحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

ولا يقتصر هذا التحول على الحضور البشري، بل يمتد إلى طبيعة السلع المعروضة، حيث ظهرت منتجات لم تكن مألوفة في الأسواق المحلية، مثل السمك المجفف أو المملح، والمنتجات الاستوائية، والتوابل الخاصة بالمطابخ الإفريقية، والمشروبات المرتبطة بالثقافة الغذائية للقاطنين الجدد. وهكذا تحول السوق إلى فضاء للتبادل الاقتصادي، وفي الوقت نفسه إلى مختبر يومي للتفاعل الثقافي.

كما تبدو مظاهر الاختلاف في تفاصيل الحياة اليومية، من حيوية السوق وإيقاعه السريع، إلى الطريقة التي تحمل بها كثير من النساء مشترياتهن فوق رؤوسهن دون الاستعانة باليدين، وهي ممارسة متجذرة في العديد من المجتمعات الإفريقية. وفي المقابل، برزت اختلافات في أنماط اللباس، خاصة لدى بعض النساء غير المسلمات، حيث يعد ارتداء ملابس خفيفة أمراً عادياً في ثقافتهن الأصلية، بينما يُنظر إليه داخل البيئة المحلية المحافظة باعتباره سلوكاً غير مألوف، وهو ما أدى في بعض المناسبات إلى سوء فهم وتوترات اجتماعية، خصوصاً خلال شهر رمضان.

أما على المستوى الفني، فقد شهد المجال بدوره تحولات لافتة. ففي مرحلة أولى برزت فرق أحيدوس مع الوافدين من مناطق الأطلس، حتى أصبحت جزءاً من الأعراس والاحتفالات المحلية، بل امتد حضورها إلى الأنشطة المدرسية. واليوم ظهرت أنماط موسيقية ورقصات إفريقية جديدة، تقام أحياناً داخل المنازل، بإيقاعات صاخبة تختلف عن المألوف المحلي، وهو ما يثير أحياناً شكاوى الجيران ويكشف عن صعوبة التكيف المتبادل بين أنماط ثقافية مختلفة.

ومع ذلك، تبقى كرة القدم المجال الأكثر قدرة على تجاوز الحدود الثقافية واللغوية. فقد تحولت الملاعب الترابية إلى فضاءات يلتقي فيها الشباب، مغاربة وأفارقة، حول شغف مشترك، بعد أن كانت في بعض الفترات مسرحاً لبعض التوترات. وتؤكد هذه التجربة أن الممارسة الرياضية يمكن أن تشكل إحدى أهم آليات بناء الثقة وتعزيز الاندماج الاجتماعي.

إن ما تشهده أيت عميرة وسيدي بيبي اليوم ليس مجرد تحول ديمغرافي، بل هو انتقال نحو مجتمع محلي متعدد الثقافات، يفرض إعادة التفكير في مفهوم الاندماج وفي السياسات المحلية الموجهة لتدبير التنوع. فالعيش المشترك والتثاقف ليسا معطيين جاهزين، وإنما هما عملية اجتماعية مستمرة تتطلب التعارف والحوار وبناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.

ومن ثم، فإن المجتمع المدني، والجماعات الترابية، والمؤسسات التعليمية والثقافية، مدعوة إلى لعب دور محوري في بناء جسور التثاقف، وتحويل التنوع الثقافي إلى رافعة للتنمية المحلية، بدل أن يصبح مصدراً للتوتر وسوء الفهم. فالمجالات التي تنجح في تدبير تنوعها هي وحدها القادرة على تحويل الهجرة من تحدٍ اجتماعي إلى فرصة لبناء مجتمع أكثر انفتاحاً وتماسكاً.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/