
عز الدين اوناحي.. رقصة النحلة التي أذابت جليد كندا
لا تغرنك تلك البنية النحيفة ففي داخل ذلك الجسد يختبئ ماردٌ كروي ينتفض متمرداً حين يتسلل اليأس إلينا وتُحبس الأنفاس كما في هذه الأمسية المونديالية التي عشنا فيها خلال الشوط الأول زمهريراً كروياً اشتد فيه الضغط على حلم التأهل.
هنا ظهر أوناحي كبوصلة نجاة
لم تكن مجرد تسديدة بل همسةً ماكرة في أذن العشب الأخضر.
حين قرر “نحيلة” أن يطلق قذيفته لم يختر السماء مسرحاً لغضبه الكروي بل عانق الأرض بتواضع الساحرين.
انسابت الكرة زاحفةً كطيفٍ لا يُرى.. شقت طريقها بذكاء خفي بين غابة من السيقان المتشابكة تلامس حبات الندى وتراقص شفرات العشب في صمتٍ مهيب…
كانت قذيفة أرضية لا تعترف بضجيج القوة العمياء بل بالدقة الهندسية الباردة تسير في مسارٍ حتمي كأنها على موعدٍ غرامي مسبق مع الشباك.
لم تمنح حارس المرمى فرصةً للتحليق أو الاستعراض بل انسلّت من تحت يديه في غفلة من الزمن لتستقر بهدوء قاتل في الزاوية المستحيلة.
هو هدفٌ كُتب بحبر الانسيابية يجمع بين دهاء العقل وسحر اللمسة.. وكأن الكرة ذاتها أبت أن ترتفع عن الأرض احتراماً لعظمة هذا العزف الكروي الخالص.
عزف أعاد التوازن وامتص حماس الخصم وحوّل الخوف إلى سيطرة ليقود السفينة بثبات نحو بر الأمان.
عز الدين أوناحي أو كما يحلو لعشاق الفن تسميته بـ “نحيلة” ليس مجرد لاعب يركض على العشب الأنيق بل قصيدة تمشي على قدمين وعازف كمان اختار الملعب مسرحاً لينثر فيه ألحانه العذبة على ايقاعات الأمل بالمدرجات
لقد تأهلنا وتكرر الإنجاز المونديالي على أعين المشككين القائلين بأنها مجرد صدفة.
لكن أوناحي ورفاقه أثبتوا للعالم أجمع أن الصدفة حين تتكرر تصبح قاعدة لا تقبل الكسر ولا الجدال
شكرا لنحلة العسل التي طارت في سماء المونديال ولم تلسع خصومها إلا فناً ومهارة
قد كان الشهد مليئا حد التخمة
وفي غمرة هذه النشوة لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة إجلالاً واحتراماً لأسود الأطلس الذين زأروا في وجه المستحيل وللطاقم الإداري والفني الذي سهر على صياغة هذه الملحمة وفي مقدمتهم الفيلسوف المبتسم الكوتش محمد وهبي فقد هندس هذا الربان بهدوئه وحكمته هذا المسار الصاعد الذي يقودنا بثبات ويقين نحو المجد العالمي.
لقد عشنا معكم في هذه البطولة لحظات استثنائية لا تُنسى ستبقى محفورة في الوجدان أبد الدهر
فامضوا بنا.. نحو المربع الذهبي
فنحن معكم حالمون
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



