الجهة اليومالرأي

في الحاجة إلى مركبات التنشئة الاجتماعية: مقاربة مبتكرة لمواكبة التحولات الاجتماعية بجماعتي آيت عميرة وسيدي بيبي

أكادير اليوم  – د.خالد ألعيوض //

  • مقدمة

يشهد إقليم اشتوكة آيت باها، ولا سيما جماعتي آيت عميرة وسيدي بيبي، منذ أكثر من أربعة عقود، تحولات اجتماعية وديمغرافية عميقة ارتبطت أساسًا بالتوسع الكبير للفلاحة التصديرية. وقد أفرزت هذه التحولات واقعًا اجتماعيًا جديدًا تجاوز حدود التصورات التقليدية للمجال القروي، وأنتج أنماطًا جديدة من الأسرة والهجرة والعلاقات الاجتماعية، الأمر الذي جعل مؤسسات التنشئة التقليدية عاجزة عن مواكبة هذا التحول.

ولعل الأحداث الأخيرة التي عرفتها المنطقة، وما رافقها من مظاهر للعنف والاحتقان الاجتماعي، ليست سوى تعبير عن اختلالات تراكمت عبر سنوات طويلة، خاصة في صفوف الشباب الذين نشؤوا في ظروف اجتماعية استثنائية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في مؤسسات جديدة للتنشئة الاجتماعية، قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها المجال.

  • أولاً: التحول التاريخي للمجال

مع بداية ثمانينيات القرن الماضي، انتقلت المنطقة من فلاحة يغلب عليها الطابع المعيشي إلى فلاحة عصرية موجهة للتصدير. وأدى الانتشار الواسع للبيوت البلاستيكية إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على اليد العاملة، وخاصة النسائية، في وقت كانت فيه الأعراف الاجتماعية لا تسمح لنساء المنطقة بالعمل خارج محيط الأسرة.

ولتعويض هذا الخصاص، اتجه المستثمرون إلى استقطاب عاملات من مناطق متعددة، كانت البداية من القصيبة، المعروفة محليًا بـ”زيان”، ثم توسعت الهجرة لتشمل الشياظمة وورزازات وحمر وشيشاوة ونواحي بني ملال وأمغران وآيت رخا وغيرها.

وفي مرحلة أولى أقامت العاملات داخل الضيعات الفلاحية، قبل أن يتحول هذا الحضور المؤقت إلى استقرار دائم عبر اقتناء بقع أرضية صغيرة وبناء مساكن عشوائية، لتنشأ أحياء جديدة ذات كثافة سكانية مرتفعة.

وقد كشفت دراسة ميدانية أنجزت داخل مدرسة ابتدائية عن وجود تلاميذ ينحدرون من أكثر من سبعة وعشرين أصلًا جغرافيًا مختلفًا خارج الإقليم، وهو مؤشر واضح على حجم التنوع الذي أصبحت تعرفه المنطقة.

  • ثانياً: من الأسرة الممتدة إلى أطفال المفاتيح

أفرزت الهجرة الداخلية بنية أسرية جديدة يغلب عليها نموذج الأسرة النووية، مع ارتفاع عدد الأسر التي تعيلها النساء، سواء كن أمهات عازبات أو معيلات لأسرهن، في مقابل غياب الأسرة الممتدة التي بقيت مستقرة في القرى الأصلية.

وكان لهذا التحول أثر مباشر على الأطفال. فالأم كانت تغادر المنزل منذ الخامسة صباحًا للعمل في الضيعات، ولا تعود إلا في المساء، بينما يبقى الطفل بمفرده، دون إشراف الجدة أو الخالة أو أحد أفراد الأسرة.

وقد أطلقنا على هؤلاء الأطفال اسم “أطفال المفاتيح”، لأنهم كانوا يقضون معظم يومهم وحدهم، يحملون مفاتيح منازلهم ويواجهون مسؤوليات تفوق أعمارهم.

وقد انعكس هذا الواقع في ارتفاع نسب الهدر المدرسي، وضعف التحصيل، والانقطاع المبكر عن الدراسة، ثم الارتماء في فضاءات الشارع، التي تحولت إلى مؤسسة بديلة للتنشئة بما تحمله من قيم وسلوكيات قد تتعارض مع التربية السليمة.

  • ثالثاً: جيل C90… نتيجة مسار اجتماعي

إن ما نسميه جيل C90 ليس مجرد توصيف زمني، بل هو تعبير عن جيل تشكل داخل سياق اجتماعي خاص، تميز بالهجرة، والهشاشة، وغياب مؤسسات القرب، وضعف التأطير الأسري.

ولا يمكن فهم بعض مظاهر العنف أو الانحراف أو الاحتقان التي تعرفها المنطقة اليوم بمعزل عن ظروف الطفولة التي عاشها جزء من هذا الجيل، إذ إن اختلالات التنشئة الاجتماعية لا تظهر نتائجها مباشرة، وإنما تتجلى بعد سنوات في صورة توترات اجتماعية وسلوكات منحرفة وصعوبات في الاندماج.

  • رابعاً: هل ما زلنا أمام قرى؟

تكشف نتائج الإحصاء العام للسكان أن ما لا يقل عن عشرة دواوير أو أحياء يفوق عدد سكان كل واحد منها أربعة آلاف نسمة، في حين تجاوز عدد سكان قرية إكرام وحدها ستة عشر ألف نسمة.

وتدفع هذه الأرقام إلى التساؤل حول مدى استمرار صلاحية المفهوم الكلاسيكي للقرية، لأننا أمام تجمعات بشرية كبيرة تتوفر على خصائص عمرانية واجتماعية تختلف عن المجال القروي التقليدي.

وزاد من تعقيد هذا الواقع ظهور موجة جديدة من الهجرة منذ سنة 2016، تمثلت في استقرار مهاجرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة السنغال، وكوت ديفوار، وغينيا كوناكري، إضافة إلى الكونغو والكاميرون وبنين ونيجيريا والنيجر، ثم لاحقًا من تشاد والسودان، مع وصول أولى الأسر القادمة من بنغلاديش.

إننا لم نعد أمام قرى اشتوكية بالمعنى التقليدي، بل أمام فضاءات متعددة الثقافات وعابرة للحدود، وهو موضوع يستحق دراسة مستقلة.

  • خامساً: الحاجة إلى مركبات التنشئة الاجتماعية

إن مواجهة هذه التحولات تقتضي الانتقال من منطق التدخلات الظرفية إلى بناء مؤسسات اجتماعية دائمة للقرب.

ويقترح هذا المقال إحداث مركبات للتنشئة الاجتماعية داخل الأحياء الكبرى، على أن يسبق ذلك إنجاز دراسة ميدانية تحدد الخصائص السوسيو-ثقافية لكل حي واحتياجات سكانه.

ويقترح أن يقام كل مركب فوق قطعة أرضية لا تقل مساحتها عن 600 متر مربع، ويضم:

– حضانة للأطفال تستجيب لحاجيات الأمهات العاملات.
– فضاءات للتعليم الأولي.
– مطعمًا يقدم وجبات خفيفة للأطفال، خاصة أطفال المفاتيح.
– قاعات للأنشطة الثقافية والرياضية ودروس الدعم.
– فضاءات لاستقبال الأسر وانتظار الأبناء.
– مرافق صحية تستجيب لمعايير الجودة والكرامة.

غير أن نجاح هذه المركبات يظل رهينًا بتوفير موارد بشرية مؤهلة، من مربيات ومساعدات اجتماعيات يقمن بدور “الخالة الاجتماعية”، بما يضمن للأطفال بيئة آمنة ومتوازنة. ويمكن الاستفادة في هذا المجال من تجربة قرى الأطفال SOS، مع إبرام شراكات مع مؤسسات تكوين الأخصائيين الاجتماعيين لاستقبال الطلبة المتدربين وتأهيل كفاءات محلية.

  • سادساً: التمويل والشراكات

يقوم نجاح هذا المشروع على تعبئة مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم:

– الضيعات الفلاحية الكبرى والمقاولات الفلاحية.
– المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
– الجماعات الترابية ومجلس الجهة.
– المقاولات الصناعية الكبرى بالإقليم.
– المقاولات المواطنة في إطار مسؤوليتها الاجتماعية.

كما يجدر التنويه بالمبادرة التي أطلقها السيد عامل إقليم اشتوكة آيت باها لإحداث ثلاث حضانات بشراكة مع مستثمرين، باعتبارها تجربة رائدة يمكن تطويرها لتصبح جزءًا من رؤية شاملة لمركبات التنشئة الاجتماعية.

  • خاتمة

لقد أفرزت التحولات الاقتصادية التي عرفتها منطقة آيت عميرة وسيدي بيبي مجتمعًا جديدًا، يختلف في بنيته السكانية والثقافية عن المجال القروي التقليدي. ولم تعد مؤسسات التنشئة الكلاسيكية، وعلى رأسها الأسرة الممتدة، قادرة على أداء وظائفها السابقة، مما يستوجب ابتكار مؤسسات جديدة تستجيب لهذا الواقع.

إن مركبات التنشئة الاجتماعية ليست مجرد بنايات تقدم خدمات للأطفال، بل هي مشروع مجتمعي للاستثمار في الرأسمال البشري، وتعزيز الأمن الاجتماعي، وتقوية التماسك المجتمعي، وترجمة عملية للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

وإذا كان أطفال الأمس هم “أطفال المفاتيح”، فإن مسؤوليتنا اليوم هي أن نوفر لأطفال الغد فضاءات للتربية والرعاية والاندماج، حتى يتحول هذا الخزان البشري الكبير إلى قوة تنموية حقيقية تسهم في بناء مغرب أكثر عدالة وتضامنًا.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/