
حين تتكيّف السياسة مع غياب الشباب..
- أكادير اليوم – حبيبة أكوجديم //
قد لا تكون المشكلة اليوم أن الشباب ينسحبون من السياسة، بل أن السياسة بدأت تتكيّف مع هذا الانسحاب، وكأنه لم يعد خللا يستدعي السؤال أو المراجعة. وهنا تحديدا تبدأ الإشكالية حين يتحول الغياب من أزمة إلى وضع مألوف.
اعتاد الخطاب العام تفسير تراجع المشاركة الشبابية باعتباره دليلا على ضعف اهتمام هذا الجيل بالشأن العام. غير أن هذا التفسير، رغم شيوعه،يبقى ناقصا، لأنه ينطلق من فرضية أن السياسة ثابتة، وأن الشباب هم من ابتعدوا عنها، في حين أن الواقع قد يكون أكثر تعقيدا ربما لم يبتعد الشباب عن السياسة،بل تغيّرت السياسة نفسها، بينما ظلت أدوات فهمها وممارستها على حالها.
وتشير المعطيات الوطنية إلى أن هذا التراجع في المشاركة لا يعني غياب الاهتمام بقدر ما يعكس ضعف الانخراط في القنوات السياسية التقليدية. فوفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط،لا تتجاوز نسبة المشاركة الانتخابية لدى الفئة الشابة (18ـ24 سنة) حوالي 23٪ مقابل نسب أعلى بكثير لدى الفئات العمرية الأكبر. كما يشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن الانخراط الحزبي لدى الشباب يظل ضعيفًا جدًا، في حدود 1٪ إلى 2٪ تقريبا، وهو ما يعكس محدودية الاندماج داخل الأطر المؤسساتية الكلاسيكية.
لكن هذه الأرقام،رغم دلالتها،لا تقدم الصورة كاملة. فالمعطى الأهم هو أن جزءا واسعا من الشباب ما يزال حاضرا في النقاش العمومي، لكن خارج القنوات التقليدية. فالتعبير عن القضايا العامة اليوم لم يعد محصورا في التصويت أو الانتماء الحزبي،بل امتد إلى الفضاء الرقمي، والمبادرات المدنية، وأشكال متعددة من التفاعل مع الشأن العام.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث داخل أي منظومة سياسية ليس فقط تراجع فئة اجتماعية عن المشاركة، بل أن يتم التعامل مع هذا التراجع باعتباره أمرا طبيعيا ومستقرا. عندها لا يعود السؤال لماذا يغيب الشباب؟ بل يتحول ضمنيا إلى سؤال آخر أكثر خطورة كيف تدار السياسة في غيابهم؟ وهنا يبدأ تحول هادئ في معنى التمثيل السياسي ذاته.
ولعل ما يعمق هذا التحول هو الفجوة المتزايدة بين السياسة كما تمارس في فضاءاتها التقليدية، وبين السياسة كما تعاش فعليا في المجتمع.فبينما تختزل المشاركة في الفعل الانتخابي أو الانخراط الحزبي، ينخرط كثير من الشباب في نقاشات عامة عبر الفضاء الرقمي، ويتفاعلون مع قضايا التعليم، والصحة،والعدالة الاجتماعية، وفرص الشغل، والكرامة اليومية. إنها ممارسة سياسية من حيث المضمون، لكنها لا تجد دائما اعترافا داخل القنوات الكلاسيكية.
كما يظهر هذا التباعد في طبيعة المبادرات الشبابية التي تتشكل خارج الأطر الحزبية والمؤسساتية. فهناك أشكال متعددة من الانخراط المدني والعمل التطوعي والدفاع عن قضايا اجتماعية محددة، لكنها تبقى في كثير من الأحيان خارج تعريف المشاركة السياسية التقليدية، رغم أنها تعكس وعيا فعليا بالشأن العام.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس تراجع المشاركة فقط، بل التطبيع معه. فحين يصبح الغياب معطى ثابتا، لا يعود الهدف هو معالجته، بل التعايش معه. وعند هذه النقطة، تتحول السياسة تدريجيًا من فضاء يسعى إلى تمثيل المجتمع، إلى نظام يدير جزءا منه فقط.
وفي النهاية،لا يتعلق الأمر بإدانة الشباب أو تبرئة السياسة، بل بإعادة طرح السؤال من جذره هل ما زالت السياسة اليوم تعكس المجتمع كما هو، أم أنها بدأت تعكس فقط الجزء الذي ما زال حاضرا داخلها؟
لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب الشباب عن السياسة، بل في أن يصبح هذا الغياب جزءا مألوفا من تعريف السياسة نفسها، دون أن يثير ذلك أي سؤال.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



