
وصف “الشيخة” بين اللغة والرمزية: قراءة في علاقة الاسم بالفن والهوية الثقافية
أكادير اليوم / بقلم جمال أوجدو – صحافي و باحث في الدراسات الأمازيغية جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس سايس
تعددت في المجتمع المغربي مظاهر التعبيرات اللغوية، بغناها الرمزي الذي يعكس عمق تجربة الإنسان، خاصة في ما يتعلق بوصف الفنان ومكانته داخل النسيج الثقافي والاجتماعي. ومن بين هذه التعبيرات بعض الأوصاف التي أُطلقت على الفنان الأمازيغي، مثل “الشيخ” و”الشيخة”, وهي أوصاف أصبحت موضوع نقاش بسبب اختلاف دلالاتها بين الاعتراف بالدور الفني والثقافي، وبين بعض الاستعمالات التي قد تحمل حمولة اجتماعية أو اختزالًا لصورة الفنان بعيدًا عن سياقه الإبداعي. فهذه التسميات لا تقف عند حدود اللفظ، بل تكشف عن علاقة اللغة بالهوية والذاكرة والتصورات الجماعية حول الفن والفنان.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة داخل المجتمع المغربي، باعتباره فضاءً متعدد الروافد اللغوية والثقافية؛ حيث تتجاور العربية بلسانها الدارج المغربي، والأمازيغية بروافدها المختلفة: تمازيغت، وتشلحيت، وتريفيت، إلى جانب لغات وتعبيرات أخرى من بينها الحسانية وغيرها. وهذا التنوع يجعل انتقال المصطلحات وتغير دلالاتها ظاهرة تحتاج إلى قراءة تتجاوز حدود اللفظ نحو السياق الثقافي والاجتماعي الذي أنتجها، وما تحمله من معانٍ مرتبطة بالهوية والتمثلات الجماعية.
ومن هنا يمكن القول إن بعض الأوصاف قد تنتقل من مجالها الدلالي الأول إلى مجالات أخرى بفعل عوامل تاريخية واجتماعية وثقافية؛ إذ ان الاحتكاك اللغوي والتحولات التي عرفها المغرب ساهمت في إعادة تشكيل بعض الاستعمالات اللغوية. كما أن بعض الأوصاف المرتبطة بالفن الشعبي والأمازيغي عرفت تحولات في معناها، فانتقلت من مجرد تسمية إلى علامات تحمل تمثلات مختلفة حول الفنان ومكانته داخل المجتمع.
وهذا ما يجعل وصف “الشيخة” إشكالًا معرفيًا يحتاج إلى دراسة علمية تنطلق من بنيته اللغوية والصرفية، ومن موقعه داخل الحقول الدلالية المختلفة، لفهم العلاقة بين الاسم والوظيفة الفنية والهوية الثقافية.
إن مقاربة وصف “الشيخة” تقتضي تجاوز المعنى المباشر للكلمة، والنظر إليها باعتبارها علامة لغوية وثقافية تتغير دلالاتها حسب السياق التاريخي والاجتماعي. فاللغة، كما يرى فرديناند دو سوسير (Ferdinand de Saussure)، تقوم على العلاقة بين الدال والمدلول داخل نظام لغوي، حيث لا تُفهم قيمة الكلمة فقط من أصلها، بل من موقعها داخل شبكة الاستعمالات والمعاني التي يمنحها لها المجتمع.
ومن حيث التأصيل اللغوي، يرتبط لفظ “الشيخ” في العربية بالجذر (ش ي خ)، ويحيل في أصله على الكِبَر والتقدم في السن، ثم توسع معناه ليشمل الخبرة والمكانة والمعرفة والمرجعية الاجتماعية. غير أن انتقال هذا اللفظ إلى مجالات أخرى لا يعني بالضرورة احتفاظه بنفس الدلالة الأولى، بل قد يكتسب معاني جديدة بفعل التداول.
وفي هذا السياق يظهر الفرق بين “الشيخ” باعتباره وظيفة اجتماعية وعرفية، وبين “الشيخوخة” باعتبارها وصفًا مرتبطًا بمرحلة عمرية. فالشيخ داخل بعض البنى التقليدية لم يكن مجرد شخص متقدم في السن، بل كان يؤدي أدوارًا تتصل بالحكمة والتجربة وتدبير بعض شؤون الجماعة ونقل الأعراف. أما الشيخوخة فتحيل في الأصل على حالة عمرية أو وصف للسن.
ومن منظور النظرية الوظيفية عند برونيسلاف مالينوفسكي (Bronisław Malinowski)، فإن العناصر الثقافية لا تُفهم باعتبارها مظاهر منفصلة، بل باعتبارها مكونات تؤدي وظائف داخل المجتمع. وانطلاقًا من هذا التصور، فإن الفنان لا ينبغي اختزاله في مجرد مؤدٍّ، بل يُنظر إليه باعتباره عنصرًا فاعلًا داخل النسق الثقافي، يساهم في حفظ الذاكرة الجماعية، ونقل القيم والتجارب، والتعبير عن الهوية الجماعية.
وفي الأمازيغية يظهر الفرق بين مجال الصفات الاجتماعية ومجال الإبداع الفني؛ فالحقل الفني يتوفر على ألفاظ خاصةبه ، مثل: نقول
ⴰⵏⴰⵣⵓⵔ (anazur) للفنان أو المبدع،
وⵜⴰⵏⴰⵣⵓⵔⵜ (tanazurt) للفنانة. جدره ⵏⵣⵔ. La racine
وهي ألفاظ تحيل مباشرة على الفعل الفني والجمالي. كما أن البنية الصرفية الأمازيغية تميز بين وظائف مختلفة؛ فالتغيير في بنية الكلمة لا يعني دائمًا تغيير قيمتها أو مجالها الدلالي.
ومن الأمثلة على ذلك أن اللغة لا تعتمد دائمًا اشتقاق المؤنث من المذكر، بل قد تستعمل ألفاظًا مستقلة داخل المعجم، مثل:
ⴰⵔⴳⴰⵣ (argaz) للرجل،
وⵜⴰⵎⵟⵓⴹⵜ (tamṭuṭ) للمرأة.
وهذا يوضح أن فهم الكلمات لا يكون من الشكل الصرفي فقط، بل من الاستعمال والمعنى الذي تمنحه لها الثقافة.
وبناء على ذلك، فإن وصف الفنانة بـ “الشيخة” لا يجد أصله في المعجم الأمازيغي المرتبط بالفن، ولا يمثل اشتقاقًا من تسمية الفنانة ⵜⴰⵏⴰⵣⵓⵔⵜ، بل هو مصطلح عربي الأصل انتقل إلى سياقات تداولية معينة، واكتسب مع مرور الزمن حمولة ثقافية واجتماعية.
ومن منظور أنثروبولوجي، يساعدنا تصور إدوارد تايلور (Edward B. Tylor) للثقافة باعتبارها نسقًا يشمل الفن والمعرفة والعادات والقيم على فهم أن الفنان ليس مجرد مؤدٍّ، بل حامل لذاكرة جماعية وتعبير ثقافي. كما أن منظور كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) في الأنثروبولوجيا التأويلية يجعل من هذا الوصف رمزًا يحتاج إلى قراءة داخل سياقه، لأن المعنى لا يوجد في اللفظ وحده، بل في الطريقة التي توظفه بها الجماعة.
وعليه، فإن وصف الفنان الأمازيغي بـ “الشيخ/الشيخة” يطرح إشكالًا يتعلق بالانتقال من الدلالة الأصلية للكلمة إلى الحمولة الرمزية التي اكتسبتها عبر الاستعمال. فقد يتحول الوصف من تسمية اجتماعية إلى اختزال رمزي عندما يُستعمل بدل الاعتراف بالفنان باعتباره مبدعًا وصاحب وظيفة ثقافية.
إذن فالقضية ليست قضية كلمة فقط، بل قضية علاقة بين اللغة والسلطة الرمزية والثقافة؛ أي كيف تنتقل الألفاظ بين المجتمعات، وكيف يمكن أن تحمل معها تصورات معينة عن الفن والفنان والهوية.
إن إعادة قراءة وصف “الشيخة” لا تقوم على رفضه أو قبوله بشكل مسبق، بل على فهم مساره اللغوي والثقافي، والتمييز بين الوظيفة الاجتماعية التي قد يحملها اللفظ، وبين الوظيفة الفنية التي يؤديها المبدع داخل المجتمع. فاللغة ليست مجرد ألفاظ، بل ذاكرة ثقافية تكشف تحولات المجتمع ورؤيته للفن والهوية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



