
مكسيكو 2026.. زئير الكبرياء والثقة
الحكاية بديناها بمكسيكو.. وتورخناها في قطر)
ليس هذا مجرد مطلع لنشيد حماسي تشدو به الحناجر المغربية عبر قارات الأرض بل هو ترنيمة زمنية تختزل عقوداً من الركض وراء الحلم… وصولاً إلى هذا اليوم الذي عاد فيه المنتخب المغربي إلى أرض المكسيك ليلتقي بالمنتخب الهولندي في ثمن نهائي كأس العالم 2026، وكأن التاريخ يحب أن يعيد نفسه.. لكن ليصحح المسار ويزيد من بريق الصورة مؤكداً أن الطفرة الكروية المغربية لم تكن وليدة صدفة، بل هي نتاج جينات كروية تتوارثها الأجيال.
فمنذ أول مشاركة لنا كانت أرض المكسيك دائماً فأل خير وحسن بالنسبة لمنتخبنا بل كانت بحق أرض الريادة والتألق الكروي..
فمنذ عام 1970 لم تكُن مشاركة المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم مجرد حضور عابر في سجلات التاريخ بل كانت الملحمة التأسيسية التي عبدت الطريق للكرة الإفريقية نحو العالمية بحيث كان المنتخب المغربي أول فريق ينزعُ بطاقة التأهل عن القارة السمراء عبر نظام التصفيات الشاقة.. ليدخل رفاق أحمد فرس وحمّان وحارس المرمى الأسطوري علال معترك التنافس العالمي مكسرين بذلك حاجز الرهبة أمام عمالقة اللعبة آنذاك. ومن مرحلة التصفيات إلى غاية النهائيات أبان المغرب عن مستواه الكُروي ودشنت تلك المرحلة حقبة جديدة من الأمجاد جعلت من المكسيك هذه الأرض الطيبة، المهد الأول للزئير المغربي.
والذين عاشوا عام 1986 يتذكرون كيف انبعث فجر الكرة الأفريقية والعربية مجدداً من قلب القارة اللاتينية أيضاً. هناك وفوق عشب مكسيكو صُنعت المعجزة الثانية حيث خطّ أصدقاء الحارس الأسطوري بادو الزاكي والموسيقار الراحل عبد المجيد الظلمي ملحمة هزت مشاعر العالم عندما دكّوا شباك البرتغال بثلاثية بيضاء. في تلك اللحظة لم يكن المغرب ينتصر في مباراة فحسب، بل كان يرسخ ما بدأه في 1970 ليكون أول منتخب أفريقي وعربي يعبر إلى الدور الثاني برأس مرفوعة وعزيمة لا تلين.
واليوم يعود “الأسود” إلى ذات المكان… والعودة هنا ليست مجرد حنين أو بكاء على أطلال الماضي بل زئير كبرياء يقول بملء الفم: (عدنا والعود أحمد). لكنها عودة تختلف عن البدايات عودة فريق لم يعد يطمح لمجرد المشاركة الشرفية بل يتربع في الرتبة الخامسة عالمياً ويحمل رقماً قياسياً صامداً كأفضل فريق في العالم لم يذق طعم الهزيمة
عاد اليوم إلى المكسيك كقوة كروية مهابة الجانب تنبض بالاحترافية الواثقة وبعقلية انتصارية لا تهاب الكبار لأنها أصبحت منهم…
بل تحمل هذه العودة ما هو أعمق من الإنجاز الكروي فقد توجنا الشعب المكسيكي قبل انطلاق المباراة.. ويكفى الإطلاع على صفحات مكسيكية شهيرة على شبكات التواصل الاجتماعي يدرك كيف شرعت الجماهير هناك في حشد الدعم لأسود الأطلس مطلقين شعاراً يعكس عمق الرابطة: (كل المكسيكيين يحبونكم وسندعمكم بقوة أمام هولندا).
لقد بات المنتخب الوطني المغربي أشهر من نار على علم في الأوساط اللاتينية عقب الموقف النبيل والأخلاقي الذي جسده نجم الأسود أشرف حكيمي في مؤتمر صحفي سابق، حين دافع بنبل وجسارة عن حق أحد الصحفيين بالحديث بلغته الأم الإسبانية في وقت ينظر فيه البعض هناك إلى هذه اللغة بنظرة غير سليمة حدّ التحقير.
هذه الالتفاتة قد تبدو عادية لأنها صادرة من نوايا قلب طيبة وخلق رفيع يميّز هذا اللاعب الاستثنائي لكنها حملت أبعاداً كونية خاصة حين اختار اللاعب حكيمي أن يجيب باللغة الإنجليزية رداً على السياق جعل الأوساط الإعلامية الدولية ترى في ذلك توازناً ذكياً وعميقاً لا يبتعد عن فلسفة وروح علاقات بلدنا مع كافة شعوب العالم والوقوف على مسافة واحدة من الجميع بروح الاحترام والندّية.
من عمق هذا الرقي الإنساني والحضور التوازن يستمد أحفاد أولئك العمالقة عزيمتهم اليوم فهم لا يريدون أن يكونوا مجرد صدى للماضي فمن صمام الأمان ياسين بونو إلى المتألق نصير مزراوي يتقدمهم أشرف حكيمي بروح القائد الجسور وفي وسط الميدان والهجوم تتجلى عبقرية الجيل الجديد حيث تلتقي موهبة بلال الخنوس الساحرة بلمسات براهيم دياز الفنية الرفيعة التي تصنع الفارق مع عنفوان إسماعيل الصيباري وديناميكية نائل العيناوي، وصولاً إلى اندفاع الموهبة الغضة أيوب بوعدي.
هؤلاء الشباب جاؤوا جميعاً ليرسموا أثر المارين قبلهم من جيل 1970 و1986 ويزيدوا على المجد مجدداً مؤكدين أن دكة بدلاء الأسود اليوم توازي في قوتها تشكيلتها الرسمية.
فالمواجهة مع منتخب الطواحين لن تكون مجرد ركضٍ خلف كرة من جلد بل هي استحضارٌ للأرواح التي صنعت هذا المجد منذ أكثر من نصف قرن وعناقٌ طال انتظاره بين أجيال جمعتها نبضة قلب واحدة.
هي اللحظة التي تلتقي فيها ابتسامة الظلمي الراحل بعزيمة حكيمي وبونو ودياز وخنوس.. لحظة يمتزج فيها عبق التاريخ بأحلام المستقبل الزاهر.
وعندما تنطلق صافرة البداية ستتوقف أنفسنا لا خوفاً بل خشوعاً في محراب هذا العشق الممتد من جبال الأطلس إلى شواطئ المكسيك.
سنهتف جميعاً خلف الشاشات وفي المدرجات بقلوب حالمة وعيون تلمع بالفخر مؤكدين للعالم أجمع:
إن الحكاية التي بدأت بمكسيكو 1970 وتُوجت بقطر 2022 وستزدهر اليوم في مكسيكو 2026 ليست مجرد صفحات في كتاب الرياضة بل مسار وطن قادم وصاعد نحو المجد الذهبي.
فالمستحيل ليس مغربياً والأسود اليوم في الموعد..
وموعدنا الصّبح…
صبح الانتصارات بجدارة واستحقاق.
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



