
المنظومة الصحية الوطنية… عندما يتحول الإصلاح إلى مشروع سيادة وطنية
- بقلم الدكتور جمال العزيز //
تبني الدول مؤسساتها وفق رؤية استباقية ، وتعتبر الإستثمار في الإنسان المدخل الحقيقي لبناء الدولة الحديثة. لذلك شكل قطاع الصحة بمجموعة من الدول المتقدمة أحد أهم عناصر السيادة الوطنية ورافعة للإقتصاد، ومؤشر على قوة الدولة وقدرتها على ضمان الأمن والإستقرار.
لقد أدرك المغرب مبكرا تحت التوجهات الملكية المتبصرة، أن الدولة الإجتماعية تحتاج إلى منظومة صحية عادلة ومتطورة، تضع الإنسان في قلب السياسات العمومية. ومن هذا المنطلق جاء ورش إصلاح المنظومة الصحية باعتباره أحد أكبر التحولات المؤسساتية التي عرفتها المملكة منذ عقود، لإعادة بناء فلسفة تدبير الصحة وفق مقاربة جديدة تجعل الجودة والإنصاف والنجاعة والإستدامة، ركائز أساسية.
لقد تمكنت الحكومة من تحقيق تقدم كبير و ملحوظ في تنزيل هذا الورش ، من خلال إصدار الترسانة القانونية اللازمة، وإطلاق المجموعات الصحية الترابية، وإعادة هيكلة الحكامة الصحية، والإنخراط في تعميم التغطية الصحية الإجبارية، وهي خطوات تؤكد وجود إرادة سياسية حقيقية لإنتاج نموذج مؤسساتي حديث. غير أن التجارب الدولية تؤكد أن أي إصلاح للمنظومة الصحية لا يرقى إلى إنتاج نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية يحكم على نفسه بالفشل.
إن المرحلة التي يعيشها المغرب اليوم هي مرحلة ما بعد الإصلاح، وهي المرحلة الأصعب في كل التجارب الدولية، فالمواطنون اليوم ينتظرون من المجموعات الصحية الترابية تقليص الفوارق بين الجهات وتحسين جودة الخدمات، وتقصير آجال العلاج، وتعزيز الثقة في المؤسسات الصحية.
إننا اليوم في حاجة إلى إدارة صحة المغاربة، عبر بناء سياسات تستبق الأمراض و تؤسِّس لعلاج ناجع، و حكامة جيدة في الإنفاق .لتأطير المرحلة المقبلة من الإصلاح الصحي المغربي.
وأول ما يستوجب إعادة التفكير هو تدبير الموارد البشرية الصحية. فالطبيب والممرض والإداري والتقني يمثلون رأس المال الحقيقي للمنظومة؛ لذلك بعد توقع الإحتياجات المستقبلية للدولة يجب ربط التكوين بالحاجيات الفعلية للجهات، وتحفيز الإستقرار في المناطق التي تعاني خصاص حاد في تخصصات دون أخرى، وربط الترقية بالأداء.
ولا يقل الجانب اللوجستي أهمية عن العنصر البشري. فالمنظومة الصحية المستدامة تقوم على سلاسل إمداد ذكية، ومخزون دوائي مؤمَّن وصيانة استباقية للتجهيزات، ونظُم معلومات متطورة. إن جزء كبير من كلفة الصحة ينتج عن ضعف التدبير وتأخر الصيانة، وسوء توزيع الإمكانات. ولهذا فإن الإستثمار في اللوجستيك الصحي وترشيد النفقات، يعزز ثقة المواطن.
غير أن التحدي الأكبر الذي ينتظر المنظومة الصحية المغربية يتمثل في الإنتقال إلى اقتصاد المعرفة الصحية والإبتكار المفتوح. إذ أصبحت البيانات الصحية من أهم الأصول الإستراتيجية في العالم ، لأنها تسمح بفهم الأمراض وتوقع تطورها، وتحديد أولويات الإستثمار و تقييم أثر السياسات العمومية. إن المغرب بحاجة إلى منظومة وطنية موحدة للبيانات الصحية، تحول كل معلومة إلى قرار و سياسة عمومية مبنية على المراجع والأدلة.
إن امتلاك قاعدة بيانات صحية وطنية متكاملة سيمكن من الإجابة عن أسئلة جوهرية: ما هي الأمراض الأكثر انتشارا بالمغرب؟ ما كلفتها الإقتصادية؟ كيف تختلف بين الجهات؟ ما أثر العوامل البيئية والإجتماعية والثقافية عليها؟ وما البرامج الوقائية الأكثر فعالية؟
يجب أن تتحول المراكز الصحية الحضرية والقروية إلى فضاءات لتعزيز الصحة، والكشف المبكر، والتربية الصحية، ومحاربة عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض المزمنة، فالوقاية أحسن من العلاج .
ومن جهة أخرى، فإن الرؤية المستقبلية للقطاع الصحي بالمغرب تقتضي تطوير العلاقة بين القطاعين العام والخاص، لتكون متكاملة. ووضع إطار تنظيمي واضح لشراكة استراتيجية لتوسيع العرض الصحي، وتحقيق النجاعة الإقتصادية.
كما أن الجامعة المغربية مطالبة اليوم بأن تصبح شريك أساسي في الإصلاح، داخل مختبرات البحث وحاضنات الإبتكار ومراكز نقل التكنولوجيا مع إشراك الباحثين، والمقاولات الناشئة، والقطاع الخاص، والمؤسسات العمومية، والأحزاب السياسية والمجتمع المدني ، في إنتاج الحلول الصحية.
إن المغرب مطالب بصناعة نموذجه الخاص، مستند إلى خصوصياته الحضارية وإمكاناته الإقتصادية ، مؤطر بالرؤية الملكية وموقعه الجيوسياسي.
يمكن العمل على تأهيل المنظومة الصحية المغربية لتصبح منصة صحية إفريقية رائدة، بتعزيز التكامل بين التكوين والصناعة الصحية.
إن الحديث عن المستقبل الصحي المغربي يقودنا إلى مفهوم جديد ينبغي أن يحتل مكانة مركزية في التفكير العمومي، وهو مفهوم السيادة الصحية، يمكن تحقيقه باتخاذ القرارات الصحية باستقلالية، وإنتاج المعرفة و تخصيص ميزانية خاصة للأبحاث في المجال الصحي دون الميزانية العامة للبحث العلمي، والإعتماد على الداتا الوطنية، وتأمين سلاسل الإمداد وتطوير الكفاءات، وجعل حماية صحة المواطنين من أولويات السياسات العمومية .
إن السيادة الصحية لمغرب المستقبل، تحتاج إلى بناء منظومة صحية قادرة على التعلم والتكيف والإبتكار، واستباق المخاطر، وقياس الأثر على صحة المواطن.
لقد قطع المغرب أشواط مهمة في هذا الورش الوطني الكبير، وما تحقق يدعو إلى الإعتزاز، لكن مغرب المستقبل يتطلب استمرار الإصلاح بنفس الجرأة وتعزيز ثقافة التقييم، وربط المسؤولية بالنتائج، وجعل الإبتكار أسلوب مستدام في تدبير قطاع الصحة .
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



