
أي مستقبل لتدبير الشأن المحلي بجماعة أولماس
أكادير اليوم / بقلم الأستاذ أشرف بومسيس
تستعد ساكنة أولماس لاستحقاقات انتخابية تشكل محطة مفصلية في مسار تدبير الشأن المحلي، لأنها ليست مجرد مناسبة لاختيار ممثلين جدد، بل لحظة ديمقراطية ترسم ملامح مستقبل المنطقة لسنوات قادمة، فصندوق الاقتراع لا يفرز فقط أسماء الفائزين، وإنما يعكس أيضا مستوى وعي المواطنين بواجبهم في اختيار من يمتلك الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الصالح العام.
إن المسؤولية التي سيتحملها المنتخبون، سواء على مستوى الجماعة الترابية أو على مستوى المؤسسة التشريعية، تقتضي أن يكون معيار الاختيار قائما على الكفاءة، والاستقامة، والأخلاق السياسية، والقدرة على تقديم قوة اقتراحية حقيقية، ورؤية تنموية واقعية تستجيب لانتظارات الساكنة وتساهم في النهوض بأولماس اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
ولعل من أبرز الرسائل التي حملتها الخطب والرسائل الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، التأكيد على أن التنمية لا تتحقق إلا بالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن المنتخب الحقيقي هو الذي يجعل من خدمة المواطن أولوية، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وهذه التوجيهات الملكية لا تخاطب المنتخبين وحدهم، بل تخاطب المواطن أيضا، باعتباره صاحب القرار في منح الثقة لمن يستحقها.
ومن هنا، فإن أي اختلال أو تعثر في تدبير الشأن المحلي لا يمكن عزله عن طبيعة الاختيارات التي يعبر عنها الناخبون فإذا كانت هذه الاختيارات مبنية على اعتبارات قبلية أو عائلية أو ولاءات سياسية ضيقة، فإنها غالبا ما تفرز مجالس عاجزة عن مواكبة تطلعات الساكنة أما إذا تأسست على معايير الكفاءة والنزاهة والمصداقية والخبرة، فإنها ستكون مدخلا حقيقيا لتحقيق التنمية المنشودة.
كما أن من الضروري أن يمتلك المواطن وعيا بطبيعة الاختصاصات التي يحددها القانون لكل مؤسسة منتخبة، حتى يتمكن من تقييم البرامج الانتخابية بصورة سليمة فكثير من الوعود التي تتردد خلال الحملات الانتخابية تتضمن مشاريع أو التزامات لا تدخل أصلا ضمن اختصاصات المرشح، سواء كان عضوا في مجلس جماعي أو نائبا برلمانيا، فتتحول إلى مجرد شعارات انتخابية هدفها استمالة أصوات الناخبين دون سند قانوني أو واقعي.
إن ساكنة أولماس مدعوة اليوم إلى إجراء تقييم موضوعي للمرحلة السابقة، من خلال الوقوف على ما تحقق وما تعثر، وربط ذلك بالاختصاصات الحقيقية للمجالس المنتخبة، بعيدا عن الأحكام الانطباعية أو الوعود العاطفية فالمحاسبة لا تكون عادلة إلا إذا كانت مبنية على فهم دقيق للمسؤوليات القانونية لكل منتخب.
إن مستقبل أولماس لن تصنعه الشعارات، بل سيصنعه وعي المواطن، وحسن اختياره، وإيمانه بأن صوته مسؤولية وطنية قبل أن يكون حقا دستوريا فكل صوت يمنح لمرشح كفء ونزيه هو استثمار في تنمية المنطقة، وكل اختيار لا يستند إلى معايير الموضوعية والكفاءة قد يؤخر تحقيق الطموحات التنموية التي تنتظرها الساكنة.
وأمام هذه المحطة الديمقراطية، يبقى الرهان الأكبر هو أن تنتصر إرادة الإصلاح، وأن يكون معيار الاختيار هو خدمة أولماس ومستقبلها، حتى تفرز صناديق الاقتراع نخبا قادرة على جعل الجماعة نموذجا في التدبير الجيد والتنمية المحلية، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية التي تجعل من المواطن محور كل السياسات العمومية ومن الحكامة أساسا لتحقيق التنمية المستدامة.
ومن الإنصاف التأكيد على أن مدينة أولماس عرفت خلال السنوات الماضية إنجاز عدد من المشاريع التنموية التي ساهمت في إحداث تحول ملحوظ مقارنة بمراحل سابقة من تدبير الشأن المحلي، وهو معطى إيجابي يستحق التثمين والتشجيع، لأن الاعتراف بالمنجزات يشكل مدخلا أساسيا لترسيخ ثقافة الإنصاف والموضوعية في تقييم الأداء العمومي.
غير أن القراءة المتأنية لهذه الحصيلة تكشف أيضا أن جانبا مهما من هذه المشاريع انصب على مجالات محددة، لعل أبرزها تعزيز البنيات الرياضية من خلال إحداث وتجهيز منشآت حديثة جعلت من أولماس قطبا رياضيا واعدا، إلى جانب بعض مشاريع تأهيل البنية التحتية، خاصة المتعلقة بإصلاح الطرق، كالطريق الرابطة بين أولماس والمعازيز، ورغم أهمية هذه الأوراش، فإنها لا تختزل حاجيات المدينة ولا تعكس كل الإمكانات التي تزخر بها.
فالتنمية المحلية لا تقوم على مشروع واحد أو قطاع واحد، وإنما على تنوع الرؤى وتعدد المبادرات والقوة الاقتراحية القادرة على استثمار مختلف المؤهلات الاقتصادية والسياحية والبيئية والثقافية والاجتماعية التي تتميز بها أولماس، وكلما اتسعت دائرة الأفكار وتعددت الكفاءات داخل المؤسسات المنتخبة، ازدادت فرص بلورة مشاريع أكثر شمولا، تمس مختلف القطاعات، وتحقق أثرًا مباشرًا على جودة حياة الساكنة، وتوفر فرص الشغل، وتعزز جاذبية المدينة للاستثمار، فضلا عن كون نجاح العمل الجماعي داخل المجلس لا يرتبط بوجود مسؤول بعينه، بل بمدى توفر إرادة جماعية قائمة على الكفاءة وروح المبادرة والقدرة على تقديم مقترحات عملية ومدروسة، فالتنمية المحلية لا تتحقق بالشعارات أو بالمواقف السلبية، وإنما بالاجتهاد والبحث والتخطيط والتعاون وعندما تصبح المصالح الشخصية أو عرقلة المبادرات الناجحة هي المحرك الأساسي لبعض الممارسات، فإن ذلك يفرغ العمل الجماعي من مضمونه ويحد من قدرة المجلس على الاستجابة لتطلعات المواطنين وتحقيق تنمية مستدامة.
لذلك، فإن المرحلة المقبلة لا تقتضي فقط الحفاظ على المكتسبات المحققة، بل تستدعي أيضا ضخ دماء جديدة وأفكار مبتكرة، وتعزيز القوة الاقتراحية داخل المجالس المنتخبة، حتى تنتقل أولماس من منطق إنجاز مشاريع قطاعية إلى رؤية تنموية متكاملة تجعل من الإنسان محور التنمية ومن تنوع المشاريع رافعة لتحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي المنشود.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



