السياسة

في ذكرى رحيل المجاهد سي عبد الرحمان اليوسفي: كم أصبح الفراغ من بعده شاسعاً ومخيفاً

مع إطلالة هذه الذكرى الحزينة لرحيل المجاهد عبد الرحمن اليوسفي يجد المرء نفسه مدفوعاً بل مكرهاً على وضع اليد على الجرح العاري ونحن نتأمل من بعيد ومن قريب هذا المشهد السياسي الراهن الذي يبعث على الأسى الشديد والوجوم.

كم يبدو مغرب اليوم يتيماً في غياب أولئك الرجال العظام! وكم تبدو نخبنا الحالية ضئيلة باهتة ومقصوصة الأجنحة وهي تحاول العيش في ظل تلك القامة الباسقة التي غادرتنا لتترك خلفها فراغاً مرعباً وقاعاً صفصفاً.

إننا هنا ومن فوق هذه السطور لا نبكي مجرد رجل رحل إلى دار البقاء فالكل عابر والكل فانٍ.. بل نبكي زمناً سياسياً جميلاً وعميقا كان فيه للزعامة معنى وللموقف ثمن يدفَع كالفاتورة ولنظافة اليد طعم العبادة والزهد.

لقد دخل “السي عبد الرحمن” المعترك السياسي نظيفًا وعاش وسط أعاصيره العاتية نظيفاً وخرج منه كما دخله طاهراً مبرأً من دنس المغانم والتهافت ليقدم درساً بليغاً في أن «السياسة أخلاق أو لا تكون»، في زمن تحولت فيه الأخلاق إلى عملة نادرة في أسواق السياسة اليوم.

تأملوا معي بروية وعمقه هذا المسار الأسطوري لـ”رجل دولة” عاش في قلب التقاطعات الكبرى والخطيرة للزمن المغربي الحديث

تقاطعٍ فريد بين كفاح السلاح والعمل الفدائي من أجل الاستقلال ونضال الكلمة الشجاعة والمبدأ الراسخ ضد الاستبداد ومن أجل الديمقراطية.

هذا الرجل الذي جرّ خلفه حكماً بالإعدام وقذفته رياح النفي الطويل إلى المنافي السحيقة لم يكن يحمل غلاً ولا ضغينة في قلبه تجاه وطن كان يربيه بالحديد والنار.

بل حين ناداه الواجب التاريخي ووقفت البلاد على حافة تلك “السكتة القلبية” الشهيرة لم يتردد لحظة واحدة في قيادة سفينة “التناوب الديمقراطي” لا رغبة في كرسي، ولا طمعاً في جاه بل تلبية لنداء إنقاذ المغرب في لحظة انتقال تاريخية وفارقة بين عهدين.

ومن هذا المخاض العسير واليومي نبت توازن عجيب في شخصية الرجل كان وراءه عمق إنساني وصوفي نادر وزهد حقيقي في بريق السلطة وهالاتها الكاذبة والمزيفة.

صديقه الأخضر الإبراهيمي كان يقول عنه بعبارة بليغة تختزل كبرياء الصمت وعمق التأمل: «إن اليوسفي يلوي لسانه سبع مرات في فمه قبل الكلام.. وهو أشبه ببوذي».

ولم تكن هذه مجرد استعارة مجازية أو ترفاً تعبيريا فمن خلال شهادات حيّة ممن زاروا شقته البسيطة في حي “بوركون” بالدار البيضاء، يكتشف المرء تلك الروح الآسيوية الهادئة والوقورة حيث ترّفع فقيدنا عن البهارج والديكورات الفخمة مكتفياً بجلال البساطة والتواضع وفي مفارقة صارخة مع نخب اليوم التي تتقاتل علانية على المناصب، والامتيازات والسيارات الفارهة.

ولم يكن السي عبد الرحمن زعيماً محلياً انحبست خطواته في حدود الجغرافيا الوطنية الضيقة بل كان رقماً صعباً في المعادلة الدولية والاشتراكية الأممية يحظى باحترام العواصم الكبرى من باريس إلى جنيف… هذا الرصيد الحقوقي والدبلوماسي الهائل الذي راكمه في منافيه الممتدة وضعه بالكامل في خدمة القضية الوطنية الأولى (قضية الصحراء المغربية)

فحين تولّى قيادة الحكومة وبصمت الكبار وهدوء العارفين بخفايا العلاقات الدولية والدهاليز الأممية استطاع أن يسحب اعتراف أكثر من 34 دولة بالكيان الوهمي دون جعجعة إعلامية فارغة أو استعراض بهلوانيّ مما نراه اليوم في مغرب يعاني نقصاً حاداً في رجالات الدولة الحقيقيين أولئك الذين يشتغلون في الصمت والظل لتبنى الأمجاد وتصان الأوطان.

في مذكراته يحكي الفقيد المجاهد بكثير من الدفء الإنساني والعمق التاريخي عن واقعة المصعد الشهيرة في القصر الملكي حين دعاه الملك الراحل الحسن الثاني لفنجان قهوة بعد 27 سنة كاملة من الفراق والخصومة المريرة ليخاطبه بتلك العبارة العبقرية والمكثفة: ( نحن مثل روافد النهر افترقنا ثم التقينا من جديد لنصب في نفس المجرى الأصل)

وحين التفت الملك الراحل إلى ولي عهده آنذاك (سيدي محمد) وشقيقه الأمير مولاي رشيد قال لهما مازحاً:
( هذا عمكما اليوسفي.. إنه من أكبر مهربي الأسلحة)
هنا تحديداً يكمن السحر التاريخي والمفارقة المغربية العجيبة حين تعترف السلطة بصلابة خصمها ونبله..

وتتحول بندقية المقاوم القديم وصندوق أسلحته المهربة إلى صمام أمان لكيان الدولة واستمرارية الوطن…
ولعل المشهد الذي سيظل موشوماً في الذاكرة الجمعية للمغاربة، كأعلى درجات العرفان والتقدير من المؤسسة الملكية لهذا القائد التاريخي هو تلك الانحناءة التلقائية والحميمة للملك محمد السادس لتقبيل رأس “شيخ الاشتراكيين” وهو على سرير المرض بالدار البيضاء. صورة اختصرت حكاية المغرب الحديث كله: وفاء ملك.. وعظمة زعيم

اليوم، ونحن نرى هذا الركود السياسي والنخَب المستهلكة ونتجرع مرارة الرداءة وسقوف النخب الواطئة التي لا تحمل هماً وطنياً ولا مشروعاً مجتمعياً ندرك كم كان فقيدنا عبد الرحمن اليوسفي كبيراً.. وكم أصبح الفراغ من بعده شاسعاً ومخيفاً!

رحم الله السي عبد الرحمن وجعل سيرته مناراً لنخبٍ ضلّت الطريق

يوسف غريب كاتب صحفي

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى