
انخفاض الخصوبة وارتفاع الطلاق بالمغرب: هل نحن أمام تحوّل اجتماعي أم أزمة أسرة؟
بقلم : سناء بوحاميدي
عدل موثقة
باحثة بسلك الدكتوراه ـ جامعة ابن زهر
المملكة المغربية
تشهد المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولات ديموغرافية واجتماعية متسارعة، كشفت عنها دراسات وطنية ودولية تتحدث عن انخفاض معدلات الخصوبة، وتراجع الإقبال على الزواج، مقابل ارتفاع نسب الطلاق واستعمال وسائل تنظيم الأسرة. وهي مؤشرات تثير نقاشًا واسعًا بين الباحثين والفاعلين الاجتماعيين، بين من يراها تطورًا طبيعيًا لمجتمع يتغير، ومن يعتبرها ناقوس خطر يهدد تماسك الأسرة المغربية مستقبلًا.
وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن معدل الخصوبة في المغرب عرف انخفاضًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل من معدلات مرتفعة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى مستويات تقترب اليوم من طفلين لكل امرأة، وهي نسبة تضع المغرب ضمن الدول التي بدأت تدخل تدريجيًا مرحلة الشيخوخة الديموغرافية.
كما كشفت الإحصائيات أن نسبة مهمة من النساء المغربيات المتزوجات تعتمد وسائل تنظيم الأسرة، وهو ما يعكس تغيرًا واضحًا في تصور الأسرة وعدد الأبناء، بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع المغربي.
غير أن قراءة هذه الأرقام بعين الاتهام أو التهويل تبقى قراءة ناقصة، لأن انخفاض الخصوبة ليس ظاهرة مغربية معزولة، بل هو تحول عالمي تعيشه حتى الدول الصناعية الكبرى، نتيجة ارتفاع تكاليف الحياة، وتغير نمط العيش، وتأخر سن الزواج، وارتفاع مستوى التعليم، ودخول المرأة بقوة إلى سوق الشغل.
وفي المغرب تحديدًا، لم يعد الزواج قرارًا سهلاً كما كان في السابق، في ظل ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة والبطالة وصعوبة تحقيق الاستقرار الاقتصادي. لذلك، فإن عزوف بعض الشباب عن الزواج لا يرتبط دائمًا برفض المؤسسة الأسرية، بقدر ما يعكس شعورًا بعدم القدرة على تحمل أعبائها الاجتماعية والمالية.
أما ارتفاع نسب الطلاق، فهو بدوره ظاهرة معقدة لا يمكن اختزالها في “تفكك القيم” فقط، إذ ساهم ارتفاع وعي النساء بحقوقهن، ورفض العنف الأسري، وتغير نظرة المجتمع إلى الطلاق، في الكشف عن اختلالات كانت في الماضي تُخفى تحت ضغط العادات والخوف من الوصم الاجتماعي.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من خطورة استمرار هذه المؤشرات دون معالجة حقيقية، لأن تراجع الخصوبة وارتفاع نسب التفكك الأسري قد يؤديان مستقبلًا إلى اختلالات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية، من بينها ارتفاع نسبة الشيخوخة، وتراجع الفئة النشيطة، والضغط على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية.
إن الأسرة المغربية اليوم ليست في حالة انهيار كما يصورها البعض، لكنها تمر بمرحلة انتقالية حساسة تتطلب سياسات عمومية أكثر جرأة وواقعية، تقوم على تسهيل الزواج، ودعم السكن والشغل، وتعزيز التربية الأسرية، ونشر ثقافة الحوار وتحمل المسؤولية داخل الحياة الزوجية.
فالأسرة ليست مجرد أرقام في تقارير وإحصائيات، بل هي أساس الاستقرار الاجتماعي وبناء الأجيال، وأي إصلاح حقيقي للمجتمع يبدأ من حماية هذه المؤسسة وتقويتها بما ينسجم مع التحولات الحديثة ويحفظ في الوقت نفسه خصوصية المجتمع المغربي وقيمه الإنسانية والدينية
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


