
معضلة “الإنسان والعمران” في مغرب التحولات
- حسن كرياط //
تتطلع المملكة المغربية اليوم إلى صياغة أفق تنموي جديد يحمل شعار “المغرب الصاعد بسرعة واحدة”؛ وهو طموح يترجم في عمقه رهاناً أخلاقياً وسياسياً يسعى إلى جعل الإنسان والعمران في قلب الأولويات الوطنية، عبر ترسيخ العدالة المجالية والاجتماعية كمدخل أساسي للاستقرار والكرامة.
غير أن هذا الورش الوطني الكبير يصطدم مباشرة بحجر عثرة بنيوي يتمثل في إشكالية تشغيل الشباب، وهي القضية التي لم تعد مجرد معادلة رقمية عابرة مرتبطة بعرض وطلب سوق الشغل، بل تحولت إلى مسألة استراتيجية حارقة تمس الأمن القومي، السلم الاجتماعي، والثقة في المستقبل.
هذا التحدي يضعنا أمام مفارقة تنموية صارخة أنتجتها السنوات الأخيرة، حيث قطعت بلادنا أشواطاً مشهودة في تحديث بنيتها التحتية المادية، أو ما يمكن تسميته بـ “العمران”، من خلال تشييد الموانئ الكبرى، وتوسيع شبكات الطرق السيارية، وإطلاق القطار فائق السرعة ومشاريع الطاقة المتجددة الرائدة.
ورغم أن هذا المجهود الاستثنائي نجح في تعزيز التنافسية الاقتصادية وجاذبية الاستثمارات الخارجية، إلا أن النمو المحقق ظل نمواً غير دَامِج بالشكل الكافي، مما يفرز حقيقة نقدية مفادها أن الاستثمار في الحجر والتنمية المادية، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل أثره الإنساني والاجتماعي إذا لم يواكبه استثمار موازٍ وبنفس القوة في “رأس المال البشري”.
فالشباب يشكلون الثروة الحقيقية للأمة، والاستمرار في إقصائهم الاقتصادي يعني هدراً لإمكانيات إنتاجية هائلة، وتحويلاً لهذه القوة الديمغرافية الحية من رافعة للتطور إلى عبء اجتماعي ذي كلفة اقتصادية باهظة.
وعند رصد واقع الشباب المغربي عبر مرآة التقارير الرسمية والمؤشرات الدولية، تتضح عمق الفجوات التي تفصل بين طموح “العمران” وواقع “الإنسان”.
فبيانات منظمة “اليونسكو” تدق ناقوس الخطر بشأن استمرار معضلة الهدر المدرسي، حيث يغادر منظومة التعليم سنوياً ما بين 280 ألفاً و300 ألف تلميذ دون استكمال مسارهم الدراسي، مما يحرمهم مستقبلاً من الحد الأدنى من الكفايات المطلوبة لولوج سوق الشغل المنظم، ويغذّي مباشرة ظاهرة الشباب خارج منظومة التعليم والتكوين والعمل المعروفة دولياً بفئة (NEET).
وتؤكد تقارير البنك الدولي والمندوبية السامية للتخطيط أن هذه الفئة باتت تمثل حوالي ربع الشباب المغربي، بما يتجاوز ثلاثة ملايين شاب وشابة يعيشون في وضعية هشاشة خارج الدورة الاقتصادية، مما يفرز حالة من الاغتراب الاجتماعي وضعف الثقة في المستقبل.
هذه الوضعية المقلقة تترجمها أيضاً أرقام المندوبية السامية للتخطيط التي تؤكد تجاوز معدل بطالة الشباب في الفئة العمرية بين 15 و24 سنة عتبة 30%، مع مفارقة نقدية تظهر أن نسب البطالة ترتفع بشكل أعمق كلما زاد المستوى التعليمي وحمل الشاب شهادة جامعية، وخاصة في الأوساط الحضرية؛ وهو ما يكشف عن خلل صريح في جودة التعليم ومدى ملاءمته لمتطلبات الاقتصاد العصري.
ولا تقتصر الأزمة هنا على غياب الفرص فحسب، بل تمتد إلى جودة المتاح منها، إذ تظل النسبة الأكبر من التشغيل مرتبطة بالقطاع غير المهيكل والمقاولات الصغيرة جداً التي تواجه صعوبات خانقة في التمويل والمواكبة، مما يوسع دائرة الوظائف غير المستقرة والضعيفة الحماية الاجتماعية، ويفرز في النهاية ظاهرة “الفقر رغم العمل”.
وأمام هذا الواقع، يظهر جلياً أن الترسانة الكثيفة من البرامج والمخططات الوطنية المتعاقبة لدعم التشغيل والمبادرة المقاولاتية ورغم الميزانيات الضخمة المرصودة لها، قد ظلت حصيلتها الميدانية دون مستوى الانتظارات والتطلعات، وذلك بسبب سيادة المنطق القطاعي المتفرق وغياب الالتقائية الفعالة، والتركيز على الحلول الترقيعية المؤقتة بدلاً من صياغة إستراتيجية نسقية تدمج البعد الاقتصادي بالتعليمي بالترابي.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة للانتقال نحو رؤية وطنية مندمجة تجعل من التشغيل المحور الموجه لكافة السياسات العمومية، عبر هندسة منظومة متكاملة تربط كفاءات التكوين المهني والجامعي بالثورة الرقمية والتحولات التكنولوجية، مع التركيز على المهارات الناعمة واللغات الحية وثقافة المقاولة.
إن هذه الرؤية المندمجة تقتضي أيضاً تبسيط مساطر التمويل وخلق منظومات مواكبة ذكية تدعم الشباب في تأسيس مقاولاتهم الفردية لتقليل نسب الفشل، بالتزامن مع توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر قدرة على استيعاب اليد العاملة كالصناعة المتطورة، الفلاحة المستدامة، السياحة، التكنولوجيا، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
كما يستدعي الأمر إعطاء الأولوية للشباب في التنمية المجالية والترابية، خاصة في المدن الصغرى والعالم القروي عبر تفعيل جهوية متقدمة حقيقية تثمن المؤهلات المحلية وتحد من الهجرة نحو الحواضر الكبرى، بالموازاة مع تأهيل الكفاءات المغربية وفق المعايير الدولية لفتح آفاق الشغل الخارجي.
ولأجل تحويل هذه المقترحات إلى واقع ملموس، أصبح من الضروري القطع مع آليات التخطيط التقليدية واعتماد حكامة صارمة قائمة على تقييم الأثر وربط المسؤولية بالنتائج، بحيث لا يقاس نجاح البرامج بحجم الأموال المرصودة بل بعدد فرص الشغل المستدامة والمحمية اجتماعياً التي تم إحداثها فعلياً.
وهذا المسار يفرض إطلاق نقاش وطني واسع تتكامل فيه أدوار القطاعات الحكومية، المؤسسات العمومية، والقطاع الخاص كإسفنجة رئيسية لامتصاص البطالة، والمجتمع المدني، مع الاستعانة بالخبرات والكفاءات الوطنية داخل الوطن وخارجه. إن قضية تشغيل الشباب في مغرب اليوم ليست مجرد ملف اجتماعي تكميلي، بل هي قضية سيادية حاسمة، فإدماجهم الفعلي وضمان كرامتهم هو الحصن المنيع لتعزيز قيم المواطنة الحقة وتقوية مناعة المجتمع ضد كل أشكال الانحراف والاستقطاب، ليبقى بناء “المغرب الصاعد” مشروطاً دائماً ببناء الإنسان الذي يحمي العمران ويسير به نحو المستقبل.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News




