
خطاب عطاف.. حين يرتدي الإنكار ثوب الدبلوماسية
يبدو أن الدبلوماسية الجزائرية ما زالتت تجد صعوبة بالغة في التكيف مع المتغيرات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية على الصعيد الدولي وكعادتها تفضل دائماً الهروب إلى تدوير أطروحات تجاوزها الزمن. وفي هذا السياق تأتي الخرجة الأخيرة لوزير الخارجية الجزائري السيد أحمد عطا لتكرس هذا النهج معلناً وبالكثير من التكلف أن بلاده وموريتانيا لم تكونا سوى “ملاحظين” على طاولة المفاوضات مع جبهة البوليساريو مستدعياً من جديد تلك السردية القديمة التي تحاول تقديم الجزائر كـ”طرف محايد” في نزاع إقليمي طال لنصف قرن.
لكن المشكلة في الدبلوماسية الجزائرية عندما ترتدي ثوب الإنكار فهي تصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا التي تفضحها أمام العالم.
فادعاء “الحياد” الذي يصر عليه السيد عطاف تكذبه عقود من الانخراط العسكري والسياسي والدبلوماسي الجزائري المباشر حيث يحفظ التاريخ بكثير من تفاصيل وقائع معركتي “أمغالا 1” و”أمغالا 2 وبمواجهات عسكرية مباشرة دفع فيها الجيش الجزائري ثمناً باهظاً وهي مواجهات يدرك أحداثها جيداً رئيس الأركان الحالي السعيد شنقريحة الذي عاش تجربة الأسر لدى القوات المسلحة الملكية.
أضف إلى ذلك أن هذا “الحياد” المزعوم كلّف الجزائر معارك دبلوماسية شرسة ضد كل العواصم التي سحبت اعترافها بالكيان الوهمي حتى كادت بوصلتها الخارجية تقتصر على ردود الفعل وإحصاء عمليات سحب السفراء.. ناهيك عن الفضيحة الأخلاقية والقانونية لتهريب زعيم الجبهة تحت هوية مزورة وباسم مستعار “بن بطوش” عبر جواز سفر دبلوماسي جزائري.
إن كل هذا الاندفاع وصولاً إلى القسم الشهير للرئيس عبد المجيد تبون بربط موقف الدولة الجزائرية برفع راية الانفصال في أقاليمنا يسقط أي مساحيق قد تحاول جلباب الدبلوماسية الجزائرية ارتداءها لادعاء عدم الارتباط العضوي بالنزاع.
وفي مقابل هذا الخطاب المحكوم بهواجس الماضي قدمت الدبلوماسية المغربية على لسان وزير خارجيتها خلال يوم إفريقيا بالرباط جواباً رزيناً ومؤطراً بالقانون الدولي واضعاً النقاط على الحروف بالاستناد إلى القرار الأممي الأخير رقم 2797 الذي حسم الجدل بشكل صريح عبر خمسة محددات لا تقبل التأويل. فالمنتظم الدولي يقر بالجزائر كطرف أساسي ومباشر في عملية الموائد المستديرة وليس مجرد ملاحظ كما أن سقف هذه المفاوضات محدد بشكل لا رجعة فيه في المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة الكاملة للمملكة برعاية حصرية من الأمم المتحدة ودعم وازن من الولايات المتحدة كصاحبة القلم.
إن الحقيقة الصادمة التي يهرب منها حكام المرادية اليوم هي أن قطار التاريخ قد غادر المحطة الدبلوماسية التي تاهوا فيها لنصف قرن
فبينما يستمر قصر المرادية في تاستنزافت مقدرات الشعب الجزائري الشقيق لتمويل كيان وهمي لا وجود له إلا في ردهات مخابراته.. كانت شرعية التاريخ وجغرافيا الواقع بأقاليمنا تحسم الملف إلى غير رجعة.
والمفارقة الكبرى الكامنة وسط هذا النزاع أن النظام الجزائري وفي رحلة بحثه الطويلة واليائسة عن عزل المغرب واقتطاع صحرائه يستيقظ اليوم على حقيقة مريرة: المغرب في صحرائه يزداد تجذراً وتنمية واعترافاً دولياً بينما انتهى الأمر بالنظام الجزائري معزولاً يدور حول نفسه.. محاصراً داخل “مائدة مستديرة” دولية ترفض إعفاءه من مسؤوليته المباشرة ليتحول “الحياد المزعوم” إلى طوق إدانة يلتف حول عنق العصابة هناك
يوسف غريب – كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



