
نجاح المجموعات الصحية الترابية رهين بقدرتها على ترسيخ ثقة المواطن في الخدمة الصحية: جهة سوس ماسة نموذجا
- بقلم الدكتور جمال العزيز//
يشهد المغرب اليوم ورشا إصلاحيا كبيرا في قطاع الصحة، في إطار التحولات الكبرى التي تعرفها الدولة الإجتماعية، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى إرساء منظومة صحية عادلة، منصفة، وقريبة من المواطن. ويأتي إطلاق المجموعات الصحية الترابية كأحد أبرز مداخل هذا الإصلاح، كنموذج متكامل يروم تجاوز اختلالات الماضي وبناء منظومة أكثر نجاعة وتكاملية، غير أن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة هذا النموذج على إعادة بناء ثقة المواطن في الخدمة الصحية.
إن البنية التنظيمية للمجموعة الصحية الترابية، بما تتضمنه من فصل بين الشق الصحي والإداري، وتعزيز لوظائف التخطيط والإستراتيجية والإبتكار، تعكس إرادة واضحة في تحديث حكامة القطاع، غير أن التجارب المقارنة تظهر نجاعتها حين تترجم إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية( جودة الإستقبال، احترام المواعيد، وضوح المسار العلاجي).
وفي هذا السياق، يشكل تنزيل الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات خطوة محورية لإعادة هندسة الرأسمال البشري داخل المنظومة الصحية، من خلال تحديد دقيق للأدوار، وربط المسؤولية بالكفاءة، وتكريس مبدأ الإستحقاق وضمان توزيع عقلاني للمهام والرفع من جودة الأداء ، و الإعتراف بالدور المركزي الذي يلعبه المهنيون في تجسيد هذا الإصلاح على أرض الواقع.
تجسد جهة سوس ماسة اليوم نموذجا حيا لتحول المنظومة الصحية ، خاصة مع إغلاق المستشفى الجهوي الحسن الثاني في إطار بناء مستشفى جديد بمواصفات عالمية، وهو خيار استراتيجي يعكس إرادة الدولة في الإستثمار في بنية تحتية صحية حديثة تستجيب لتطلعات المواطن، غير أن هذا الورش، رغم وجاهته، يفرض ضرورة ضمان استدامة العرض الصحي خلال مرحلة الإنتقال، بما يحفظ توازن المنظومة ويجنب أي ارتباك قد يؤثر على ثقة المواطن أو على جودة التكفل.
وفي خضم هذه المرحلة الدقيقة، لا بد من تثمين المجهودات الكبيرة التي يبذلها العاملون في القطاع الصحي، الذين يتحملون عناء هذا التحول بكل مسؤولية والتزام في ظروف استثنائية، واضعين مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وهو ما يستوجب مواكبتهم بسياسات تحفيزية عادلة تضمن الإستقرار المهني وترفع من مستوى الأداء، مع ضرورة التسريع في وتيرة إنجاز المستشفى الجهوي الجديد كرافعة أساسية لإعادة التوازن للعرض الصحي وتعزيز مصداقية الإصلاح.
يظل الرهان الحقيقي، هو القدرة على خلق مسارات مبتكرة داخل هذه المنظومة، من خلال اعتماد مقاربة المسار الصحي للمواطن كمرجعية في التقييم، وتسريع رقمنة الخدمات الصحية لضمان الشفافية وسهولة الولوج، وتطوير آليات تنسيق فعالة بين مختلف مكونات المنظومة، إلى جانب إدماج مقاربة الإبتكار المفتوح في التدبير ، بما يسمح بتقاطع الخبرة الميدانية مع البحث العلمي والحلول التكنولوجية، وتحويل الإبتكار إلى رافعة عملية لتحسين جودة الخدمات الصحية.
و يبقى موقع المواطن في قلب المنظومة الصحية محوريا ، كفاعل أساسي في توجيه السياسة الصحية وبناء الثقة المستدامة.
وفي هذا الإطار، يبرز دور القطاع الخاص كفاعل أساسي ومكمل في المنظومة الصحية، كشريك استراتيجي قادر على المساهمة في توسيع العرض الصحي وتحسين جودته، و تأسيس شراكة مهيكلة، قائمة على التكامل والوضوح في الأدوار، من خلال إرساء نماذج مبتكرة للشراكات بين القطاعين العام والخاص، خاصة في مجالات التجهيزات الطبية، والخدمات الإستشفائية، والتكوين، والإبتكار الصحي المفتوح، و تعبئة كل الطاقات المتاحة لخدمة المرتفق، وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج.
إن المجموعات الصحية الترابية تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة في الصحة في القطاع العام والخاص ،ورد الإعتبار للمرفق الصحي، و العمل على عدم إنتاج نفس الإختلالات في قالب جديد، ويبقى الفارق في قدرة المنظومة على جعل المواطن يشعر أن صحته أولوية، وأن كرامته محفوظة داخل كل مؤسسة صحية، في انسجام تام مع الرؤية الملكية المتبصرة لبناء دولة اجتماعية قوية وعادلة، تنعكس على تجربة المواطن اليومية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



