
مأساة تؤرق المجتمع : الاضطراب العقلي والإدمان والتشرد..ظواهر تهزمنا
بقلم: بوشعيب حمراوي//
لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري في شوارعنا وأحيائنا وبيوتنا كوقائع معزولة أو حوادث عرضية. نحن أمام ظاهرة تتوسع في صمت، وتتمدد في الفراغات التي تركها قصور السياسات العمومية وتشتت التدخلات. مرضى نفسيون يُتركون لمصيرهم، مدمنون يتحولون إلى مصادر تهديد، أطفال ونساء ينامون على الأرصفة، وأسر تعيش تحت ضغط يومي لا يُحتمل. إنها صورة مركبة تختلط فيها المعاناة بالخطر، والشفقة بالخوف، وتكشف عن خلل عميق في طريقة فهمنا لمعنى الحماية، وحدود مسؤولية الدولة، ومكانة الإنسان في منظومة التدبير. إننا لا نواجه فقط أزمة اجتماعية، بل اختباراً حقيقياً لقدرتنا على حماية المجتمع دون التخلي عن إنسانيتنا.
واقع ينفلت من كل تفسير
لم تعد مشاهد التشرد، ولا حالات الانفلات المرتبطة بالاضطرابات النفسية والعقلية أو الإدمان، مجرد تفاصيل عابرة في هوامش المدن، بل أصبحت واقعًا يوميًا يفرض نفسه بقوة داخل الأحياء، أمام البيوت، وفي محيط المؤسسات، بل وحتى داخل الأسر نفسها. نحن أمام وضع يتجاوز التوصيف الاجتماعي البسيط، ليدخل في عمق الأزمة البنيوية التي تمس علاقة الدولة بالمواطن في لحظة ضعفه، وعلاقة المجتمع بقيم التضامن والاحتواء. أطفال يفترشون الأرصفة بدل مقاعد الدراسة، نساء في وضعية هشاشة يواجهن مصيرًا مفتوحًا على كل أشكال الاستغلال، وشباب أو أرباب أسر يتحولون، تحت ضغط المرض أو الإدمان، إلى قنابل موقوتة تهدد سلامتهم وسلامة غيرهم. هذا الواقع لا يمكن تبريره بالفقر وحده، ولا بالمرض وحده، بل هو نتيجة تراكمات من الإهمال، وغياب الرؤية، وتأجيل الحلول، حتى أصبح الانفلات هو القاعدة، والاستثناء هو الاستقرار.
دائرة مغلقة… من الاعتقال إلى الشارع
الأخطر من وجود الظاهرة، هو هذا المسار العبثي الذي تتكرر فيه نفس الأحداث بنفس النهاية: اعتداء أو تخريب، تدخل أمني، إحالة على القضاء، تشخيص باضطراب نفسي أو عقلي أو حالة إدمان، تحويل إلى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية أو محاربة الإدمان، ثم تسريح أو فرار… ليعود الشخص إلى نفس النقطة التي بدأ منها، بل أحيانًا أكثر عنفًا وخطورة. إنها حلقة مفرغة، تُهدر فيها الجهود، وتُستنزف فيها موارد الدولة، دون أن يتحقق الهدف الأساسي: حماية الإنسان والمجتمع. هذا المسار لا يعكس فقط خللاً في التنفيذ، بل يكشف عن غياب تصور متكامل يربط بين الأمن والقضاء والصحة والشأن الاجتماعي في منظومة واحدة متماسكة. فكل جهة تقوم بدورها في حدود اختصاصها، لكنها تشتغل في عزلة، مما يجعل النتيجة النهائية بلا أثر حقيقي. إننا لا نعالج المشكلة، بل نؤجل انفجارها، ونمنحها فرصة لتعود بشكل أكثر تعقيدًا وخطورة.
قصور متعدد الوجوه… حين تتوزع المسؤولية ويضيع الحل
حين نبحث في عمق الأزمة، نجد أنفسنا أمام قصور مركب، تتقاطع فيه اختلالات متعددة: مستشفيات نفسية وعقلية تعاني من ضغط يفوق طاقتها، ونقص في الأطر والتجهيزات، وعدم قدرة على احتواء الحالات العنيفة لفترات كافية تضمن استقرارها؛ منظومة قانونية لا تواكب تعقيد الحالات التي تجمع بين المرض والخطورة، فتتأرجح بين منطق العقوبة ومنطق العلاج دون حسم واضح؛ غياب شبه كلي لمنظومة المصاحبة الاجتماعية التي يفترض أن تواكب المريض قبل العلاج وأثناءه وبعده. هذا التداخل غير المنسجم بين القطاعات يجعل كل تدخل ناقصًا بطبيعته، ويُنتج فراغًا خطيرًا تتسلل منه الفوضى. إن توزيع المسؤوليات دون تنسيق حقيقي لا يعني تعدد الحلول، بل يعني في كثير من الأحيان غياب الحل.
الأسر… الضحية التي لا تُحصى ولا تُسمع
في قلب هذه الأزمة، توجد مأساة صامتة لا تحظى بالاهتمام الكافي: أسر تعيش الجحيم داخل بيوتها، بين الخوف والشفقة، بين الرغبة في إنقاذ أحد أفرادها، والعجز عن حمايته أو حماية نفسها منه. هذه الأسر لا تطلب المستحيل، بل تطلب فقط أن لا تُترك وحدها في مواجهة خطر يتجاوز قدرتها. إنها تستنجد، تطرق الأبواب، تلجأ إلى السلطات، لكن الإجابات غالبًا ما تكون ظرفية أو شكلية، لا تعالج أصل المشكلة. يتحول البيت إلى سجن، وتتحول الحياة اليومية إلى حالة ترقب دائم لانفجار جديد. ومع غياب الدعم النفسي والقانوني، تجد هذه الأسر نفسها في مواجهة خيارين أحلاهما مر: إما الاستسلام للوضع، أو اللجوء إلى حلول فردية قد تكون غير قانونية أو غير إنسانية. هنا، لا يتعلق الأمر بفشل أسرة، بل بفشل منظومة لم توفر لها الحماية.
حين تسقط الإنسانية… وتُستبدل بالترحيل
أمام هذا العجز، تظهر ممارسات خطيرة لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف: تجميع المشردين ونقلهم من منطقة إلى أخرى، إبعاد المرضى بدل علاجهم، التعامل مع الإنسان كعبء يجب التخلص منه لا كحالة تستحق الرعاية. هذه السلوكيات، وإن بدت للبعض (حلولًا سريعة)، فهي في الحقيقة تعبير عن أزمة أعمق في فهم معنى التدبير العمومي، حيث يتم استبدال المعالجة بالإخفاء، والحل بالترحيل. إنها ممارسات تسيء إلى صورة الدولة، وتُضعف ثقة المواطن في مؤسساته، وتُكرّس منطق اللامبالاة. فالمشكل لا يُحل بتغيير المكان، بل يتفاقم حين يتم تجاهله، ويتحول إلى قنبلة اجتماعية مؤجلة.
فراغ قانوني… حين يعجز النص عن حماية الواقع
من أبرز مظاهر الخلل، غياب إطار قانوني واضح ومتكامل للتعامل مع الحالات التي تجمع بين المرض النفسي والخطورة السلوكية. فالقانون الحالي لا يوفر آليات فعالة للإيداع العلاجي الإجباري طويل الأمد، ولا يضمن تتبع الحالات بعد خروجها من المؤسسات الصحية، مما يجعل التدخلات غير مكتملة، ويُبقي الباب مفتوحًا أمام تكرار نفس السيناريوهات. نحن بحاجة إلى نصوص قانونية تواكب الواقع، لا تكتفي بتوصيفه، وتوفر أدوات عملية للتدخل، مع ضمانات حقوقية تحمي كرامة المريض وحقوقه. فغياب هذا الإطار لا يضر فقط بالمجتمع، بل يضر أيضًا بالمريض نفسه، الذي يُترك دون علاج حقيقي، ودون أفق للاندماج.
الأمن ليس الحل… بل جزء من الحل
لا يمكن تحميل المؤسسة الأمنية ما يفوق دورها، ولا يمكن في المقابل الاكتفاء بتدخلها كحل وحيد. فالأمن يتدخل عند وقوع الخطر، لكنه لا يستطيع منعه إذا لم تُعالج أسبابه. كما أن القضاء يطبق القانون، لكنه لا يصنع السياسات. لذلك، فإن الرهان على المقاربة الأمنية وحدها هو رهان خاسر، لأنه يتعامل مع النتائج لا مع الجذور. المطلوب هو مقاربة شمولية، تدمج بين الوقاية والعلاج، بين الزجر والمصاحبة، بين التدخل السريع والتخطيط الاستراتيجي. فالأمن بدون سياسة اجتماعية وصحية مرافقة، يتحول إلى مجرد أداة لإدارة الأزمات، لا لحلها.
نحو حلول جريئة… تجمع بين الحزم والإنسانية
إن الخروج من هذه الأزمة يتطلب قرارات شجاعة، تتجاوز الحلول الترقيعية، وتؤسس لمنظومة متكاملة. أول هذه القرارات، إحداث مراكز متخصصة للإيواء والعلاج، قادرة على التعامل مع الحالات العنيفة في إطار يحفظ كرامتها ويضمن سلامة المجتمع، مع إشراف مشترك بين القطاعات المعنية. ثانيًا، سن قانون واضح للإيداع العلاجي الإجباري، يخضع لمراقبة قضائية، ويضمن حقوق المريض، لكنه في الوقت نفسه يحمي المجتمع من خطره. ثالثًا، إرساء فرق تدخل ميدانية متعددة التخصصات، تضم أطباء نفسيين وأخصائيين اجتماعيين وعناصر أمن، للتدخل قبل تفاقم الوضع. رابعًا، إعادة بناء منظومة المصاحبة الاجتماعية، عبر تتبع الحالات، ومواكبة الأسر، وتوفير الدعم النفسي والقانوني. وخامسًا، إحداث مراكز خاصة بالأطفال والنساء في وضعية تشرد، تعتمد مقاربة إنسانية إدماجية، لا تكتفي بالإيواء بل تفتح آفاقًا للحياة الكريمة.
بين كرامة الإنسان وأمن المجتمع… لا مجال للاختيار
إن ما نعيشه اليوم يضعنا أمام سؤال حاسم: هل نملك الإرادة لتحويل هذا الواقع المؤلم إلى فرصة لإصلاح عميق؟ أم سنستمر في إدارة الأزمة بمنطق التأجيل والترحيل؟ إن كرامة الإنسان لا تتجزأ، وأمن المجتمع لا يتحقق بإهمال أضعف حلقاته. فالمريض النفسي والعقلي، والمدمن، والمشرد… ليسوا أرقامًا زائدة، بل هم مرآة لمدى إنسانيتنا، واختبار حقيقي لسياساتنا. وإذا كان من رسالة يجب أن تُرفع اليوم بصوت عالٍ، فهي أن الحل ممكن، لكنه يتطلب شجاعة في القرار، ووضوحًا في الرؤية، وإيمانًا بأن حماية الإنسان، في ضعفه، هي أساس كل استقرار.
نحو فلسفة وقائية تُنقذ الإنسان وتحمي المجتمع
إن الخروج من هذا النفق لا يمكن أن يتم بمنطق ردّ الفعل، بل يقتضي التحول إلى فلسفة وقائية شاملة تُعيد ترتيب الأولويات وتستبق الخطر قبل وقوعه. نحن في حاجة ملحّة إلى أمن وقائي لا ينتظر الجريمة ليتدخل، بل يشتغل على منع أسبابها؛ وإلى أمن مدرسي وقائي يحصّن الناشئة من الانزلاق نحو العنف والإدمان منذ البدايات؛ وإلى أمن تربوي وأخلاقي وقائي يعيد الاعتبار للقيم داخل الأسرة والمدرسة والفضاء العام؛ كما نحن في حاجة إلى أمن صحي وغذائي وقائي يحمي التوازن الجسدي والنفسي للإنسان، ويمنع تفاقم الهشاشة التي تتحول لاحقًا إلى سلوك منحرف أو عنيف. إن الوقاية ليست ترفًا فكريًا، بل هي استثمار في استقرار المجتمع.
وبالموازاة مع ذلك، لا بد من إحداث مستشفيات ومراكز متخصصة قادرة على استيعاب هذه الفئات، سواء كانت عنيفة أو في وضعية هشاشة، مجهزة بالإمكانيات الضرورية، ومؤطرة بموارد بشرية كافية ومؤهلة، تجمع بين الكفاءة الطبية والبعد الإنساني. فكل هذه الحالات التي تحدثنا عنها، في عمقها، ليست مجرد حالات انحراف أو تمرد، بل هي حالات مرضية تحتاج إلى علاج نفسي حقيقي، وإلى برامج فعالة لمكافحة الإدمان، وإلى مواكبة مستمرة تعيد للإنسان توازنه وكرامته.
غير أن العلاج، مهما كان متقدمًا، يظل ناقصًا إن لم يُدعّم بـبُعد إنساني صادق. فهؤلاء، قبل أن يكونوا ملفات أو أرقامًا، هم بشر في حاجة إلى من يحتويهم، إلى أحضان دافئة، وأيادٍ تطبطب وتواسي، وتخفف الألم، وتعيد الثقة في الحياة. إن المجتمع الذي يفقد قدرته على التعاطف، يفقد جزءًا من إنسانيته، والدولة التي لا تُحسن رعاية أضعف فئاتها، تُغامر بتماسكها واستقرارها. لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في بناء مؤسسات، بل في بناء إنسانية مشتركة، تجعل من العلاج مسؤولية جماعية، ومن الوقاية ثقافة راسخة، ومن الكرامة حقًا لا يُساوَم عليه.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



