المجتمع

الحلقة 8 : الموت باعتباره لحظة إنسانية تؤسس للتضامن وتتجاوز الحدود الهوياتية

  • د.خالد ألعيوض //

لعل من أكثر اللحظات الإنسانية التي تتراجع فيها التصنيفات الاجتماعية والهويات الإقصائية، مثل “البراني” و”الإفريقي” و”المحلي”، لحظة الوفاة. ففي مواجهة الموت تتوارى الفوارق العرقية والجنسية والدينية، ويبرز الانتماء المشترك إلى الإنسانية. وقد كشفت المعايشة الميدانية داخل قريتي إكرام وتدارت عن عدد من الوقائع التي تعكس هذا التحول الرمزي، حيث أصبح الموت مناسبة لإعادة بناء الروابط الاجتماعية وإنتاج أشكال جديدة من التضامن بين الساكنة المحلية والمهاجرين.

تعود أولى هذه الوقائع إلى حوالي سبع سنوات، حين بلغ أفراد الجالية الإفريقية المقيمة بإكرام خبر وفاة أربعة شبان أثناء محاولتهم الهجرة غير النظامية انطلاقًا من سواحل كلميم. وقد نزل الخبر كالصاعقة على أفراد الجالية، الذين سارعوا إلى التحقق من هوية الضحايا عبر شبكات التواصل الداخلية، وخاصة مجموعات “واتساب”، التي تشكل إحدى آليات التنظيم الذاتي للمهاجرين، وتيسر تبادل الأخبار والتضامن فيما بينهم.

بعد التأكد من الخبر، برز سؤال عملي ورمزي في الآن نفسه: كيف يمكن إقامة مراسيم العزاء في فضاء لا يزال حديث العهد باستقرار هذه الجالية؟ وقد تم التواصل مع صاحب مقهى محلي، عُرف بعلاقاته الإيجابية مع المهاجرين منذ بدايات استقرارهم، إذ كان من أوائل من وفر لهم فرص العمل في الضيعات الفلاحية، كما ساهم في تسهيل ولوجهم إلى السكن عبر الكراء، في مرحلة كان فيها هذا الأمر يواجه رفضًا اجتماعيًا.

تحول فضاء المقهى إلى مكان للتعزية، حيث اجتمع المهاجرون إلى جانب عدد من سكان القرية الذين عبروا عن تضامنهم، وتُلي القرآن الكريم عبر مكبرات الصوت، كما قُدم الطعام وفق التقليد المغربي المعروف بـ”السلكة”. والأهم من ذلك أن الانتماءات الدينية المختلفة للمهاجرين لم تتحول إلى موضوع للنقاش أو الخلاف، بل ساد شعور جماعي بأن الموت يوحد البشر، وأن الكرامة الإنسانية تسمو على كل الاختلافات.

أما الواقعة الثانية، فقد شهدتها قرية تدارت، إثر وفاة امرأة مهاجرة. وهنا برز الدور المحوري للوسطاء الاجتماعيين ورؤساء تجمعات المهاجرين، الذين أشعروا السلطات المحلية والدرك الملكي، وساهموا في استكمال الإجراءات القانونية اللازمة للحصول على رخصة الدفن. غير أن الإشكال الذي طُرح تمثل في مكان الدفن وكيفية تنظيم الجنازة.

وبعد التأكد من أن المتوفاة تدين بالإسلام، تكفلت نساء القرية بمراسيم التغسيل والتكفين وفق الشعائر الإسلامية، وأقيمت صلاة الجنازة بإمامة فقيه القرية، قبل أن توارى الثرى بحضور كثيف ضم سكان القرية والمهاجرين، مسلمين ومسيحيين على حد سواء. ومن أكثر المشاهد دلالة أن الدعاء الختامي أقيم بلغتين مختلفتين؛ فقد دعا الفقيه المحلي بالأمازيغية، بينما تولى إمام من أصل إيفواري، وهو بدوره مهاجر في وضعية غير نظامية، الدعاء باللغة الفرنسية، وردد الجميع كلمة “آمين” دون تمييز بين لغة وأخرى، في صورة تختزل إمكانية التعايش داخل فضاء متعدد الثقافات.

أما الواقعة الثالثة فتتعلق بوفاة رضيعة لم يتجاوز عمرها شهرين. وبعد تنسيق الوسطاء الاجتماعيين مع السلطات المختصة، تقرر دفنها بمقبرة تدارت. وقد أثارت الحالة نقاشًا فقهيًا واجتماعيًا حول كيفية إجراء المراسيم، قبل أن يُحسم الأمر باعتماد الشعائر الإسلامية بالنظر إلى أن والديها مسلمان. وكما في الحالات السابقة، تكفلت نساء القرية بتغسيل الطفلة وتكفينها، وشاركت الساكنة المحلية في مواساة الأسرة، بينما حضر الجميع صلاة الجنازة وقدموا التعازي، في مشهد عكس حجم التعاطف الإنساني الذي تجاوز كل الاعتبارات المرتبطة بالجنسية أو الأصل.

تكشف هذه الوقائع الميدانية أن ثقافة العيش المشترك لا تُبنى فقط عبر السياسات العمومية أو الخطابات الرسمية، بل تتشكل أيضًا من خلال الممارسات اليومية واللحظات المفصلية التي يعيشها الأفراد داخل المجال المحلي. ويبدو أن الموت، بما يحمله من حمولة رمزية وأخلاقية، قد تحول إلى لحظة لإعادة تعريف العلاقة بين “الأنا” و”الآخر”، وإلى مناسبة تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين “المواطن” و”المهاجر”، وبين “المحلي” و”الوافد”، لتحل محلها قيم التضامن والكرامة الإنسانية والاعتراف المتبادل.

وتؤكد هذه التجارب أن الوساطة الاجتماعية لم تقتصر على تدبير النزاعات أو تسهيل التواصل مع المؤسسات، بل امتدت إلى مرافقة المهاجرين في أكثر اللحظات حساسية، بما في ذلك تدبير الوفاة والدفن والعزاء، وهو ما يعكس تحولها إلى مؤسسة اجتماعية غير رسمية لإنتاج الثقة وبناء التماسك المجتمعي.

ومن ثم، فإن هذه الحالات تمثل شواهد ميدانية قوية تؤكد أن العيش المشترك لا يقاس فقط بغياب الصراع، وإنما بقدرة المجتمع على إنتاج التضامن في لحظات الهشاشة القصوى. وإذا كانت الحياة اليومية قد تُنتج أحيانًا صورًا من التوتر أو التمييز، فإن الموت أعاد الجميع إلى الحقيقة الإنسانية المشتركة: أن البشر، مهما اختلفت أصولهم ولغاتهم وأديانهم، متساوون أمام النهاية، وأن الكرامة الإنسانية تبقى القاسم المشترك الذي يؤسس لإمكانية التعايش داخل مجتمع متعدد الثقافات.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/