
هذا الصباح…لم تستيقظ معنا الهزيمة
استيقظ صباح الجمعة هادئًا كأن الليل قد ابتلع كل الضجيج الذي ملأ البيوت والمقاهي والشوارع قبل ساعات…
كانت الهزيمة قد أخذت نصيبها من الحزن ثم رحلت مع آخر خيط من ظلام الليل تاركة الحياة تستأنف سيرها في هدوء الحكمة التي لا تطيل الوقوف عند العثرات..
وقفت عند بقال الحي أنتظر خبز الفطور.. فمر الحديث عن مباراة الأمس مرور النسيم.
لم يحتج الأمر أكثر من جملتين:
(الكرة هي هاديك… بصاحتهم… مجهدين علينا.)
ابتسمت في سري لأنني تذكرت كيف كان هذا المكان نفسه طوال أسابيع الإقصائيات أشبه باستوديو شعبي لكرة القدم.. هنا محلل لا يعجبه خط الوسط وهناك خبير يقسم أن الفوز يبدأ من دكة البدلاء وثالث يحصي الاحتمالات كما لو كان يقرأ الغيب… أما الحالمون فقد كانوا يضيفون إلى كل انتصار جناحين جديدين للحلم حتى بدا الكأس قريبًا من الأيدي.
كنت أراقبهم أكثر مما أشاركهم وأكتفي بهزة رأس كلما التقت العيون.. ففي بعض اللحظات تكفي النظرة لتقول ما تعجز عنه الخطب.
ثم انتهت الرحلة…
وإذا بالشعب في أجمل صوره يطوي الصفحة دون ضجيج ويصافح قدر الرياضة بابتسامة الراضين.. لم أسمع من يلعن اللاعبين ولا من يجلد الأحلام بل كان الجميع يردد بطريقته الخاصة أن هذا منتخب شاب وأن القادم أجمل وأن سنة 2030 ليست موعدًا لتنظيم كأس العالم فحسب بل موعدٌ لحلم أكبر قد يولد على أرضنا وتحت اعيننا بهذه الأرض المباركة
ويأتي صوت بسيط من بين الناس.. يحمل يقينًا لا تصنعه الإحصاءات:
(واعقل فين گولتها ليك)
لكن…
لعلنا لم ننتبه إلى الحكاية من زاوية أخرى خارج المستطيل الأخضر
فقد كانت البطولة الحقيقية خارج الملاعب…
هناك حيث قررت مجموعة من الأصدقاء أن تجعل من كل مباراة عيدًا صغيرًا يلتفون فيه حول مائدة متواضعة يتقاسمون الخبز والضحكات والدعوات.
وهناك من حملوا فرحتهم إلى البحر أو الجبل يطاردون متعة المشاهدة تحت سماء أوسع من الشاشات…
وهناك بيوت فتحت أبوابها لأقارب غيبتهم الأيام فإذا بالمباراة تصبح عذرًا جميلًا كي تعود الأرحام إلى دفئها وتستعيد المجالس أصواتها القديمة.
لم تكن الكرة هي التي تجمعهم
كانت القلوب تبحث عن سبب… فوجدته في الكرة.
يا لها من نعمة خفية أن تتحول تسعون دقيقة إلى جسر يعيد الناس إلى بعضهم البعض وأن يصبح هدف في مرمى بعيد سببًا في أن يطرق أخ باب أخيه أو يجلس حفيد إلى جوار جده أو تمتلئ مائدة كانت منذ زمن طويل تتسع للطعام ولا تجد من يشاركها.
لهذا لا أعتقد أن منتخبنا عاد خالي الوفاض.
ربما لم يحمل الكأس لكنه حمل الناس إلى بعضهم البعض.. أعاد للوطن صورته الأجمل وطنًا لا يقاس بعدد الأهداف بل بعدد القلوب التي تخفق معًا وعدد البيوت التي أضاءتها شاشة واحدة.. وعدد الأيادي التي ارتفعت في لحظة فرح ثم تصافحت في لحظة خسارة.
فالنتائج تسكن فقط دفاتر الإحصاء ثم يعلوها الغبار.
أما اللحظات التي تجمعنا فتسكن الذاكرة إلى الأبد.
هي أجمل ما صنعته مباريات منتخبنا أنها أعادت الناس إلى الناس
أعادت الضحكة إلى الموائد والدفء إلى المجالس وصلة الرحم إلى البيوت والراية إلى القلوب
كانت الكرة في حقيقتها مجرد ذريعة… أما الذي كان يكبر كل مساء فكان المحبة.
فالمأس قد تُرفع لفريق أما المحبة… فهي الكأس الوحيدة التي إذا امتلأت ارتوى منها وطنٌ بأكمله
ذاك ما هو أجمل في هذه الحكاية :
أن وطنًا كاملًا ولو لأيام قليلة تذكر كيف يكون قلبًا واحداً
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



