
تكسير المجاديف قبل إغراق القارب بمن حمل: الإغتيال الجمعوي وهدر الزمن التنموي في المغرب العميق
- بقلم امحمد القاضي * //
حين وصف جلالة الملك في خطاب العرش السنة الماضية وضع الشأن المحلي والحالة النهضوية للمغرب بقوله: ” لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”. خطاب جلالته ينم عن وعي عميق بالهوة التراكمية بين المركز والهامش، والوضع المجتمعي والسيرورة التنموية لم يعد تحتمل بعد اليوم التفاوتات المجالية، لانه اصبح من الصعب ان تتدارك السرعة الثانية الاولى في زمن يتقدم فيه العالم بسرعة نفاتة.
يفعل ذلك عن دراية بسرعة إنجاز الاوراش الكبرى لبعض البنيات التحتية والعمران المتسارع الذي تعرفها بعض الحواضر من جهة وبتباطئ منسوب التنمية في بوادي المغرب العميق، لدرجة توقف معها الزمن التنموي في قفار سوس مثلا.
ربما كان جلالته لطيفا بتشخيص وتلخيص الحالة على انها سرعتين، لكن المقولة تختزل وتختزن كل المعاني. أولها أن هناك من يفرمل الفعل التنموي ويعيق تطور المجتمع المغربي بالشكل المطلوب، ولم يعد له مكان بيننا داخل المغرب الصاعد.
لانه باختصار، المغرب لا تنقصه الإرادة السياسية ولا تعدمه الإمكانيات المادية (اوراش الملاعب الكروية تشهد عن ذلك)، ولا يفتقر للخبرة التقنية ولا الإحتهادات البشرية، ولا حتى بعض النوايا الحسنة، بل أضف إلى ذلك انه راكم من التجارب ما يسمح له بالتقدم بخطى حتيثة نحو مستقبل زاهر.
من بين هذه التجارب، تطوع جمعويين بمبادراتهم المبتكرة ووقتهم الثمين وأفكارهم المبتكرة وإمكانياتهم الذاتية، في تفاعل مع تضحية الفاعلين الإقتصاديين المحليين الغيورين على بلدانهم بواسطة دعمهم المادي لتمويل مشاريع تنموية بجل قرى جبال الاطلس الصغير وغيرها عبر التراب الوطني، لا لشيئ، إنما لحب وطن ترعرعنا كلنا داخله، ولا نرضى له المراتب الدنيا، وبفضل الشعور بالإنتماء ورد الجميل لمسقط الرأس. لان حب الوطن يبدأ من حب مسقط الرأس.
من اراد ان يعتبر فاليقم بزيارة استطلاعية لمناطق تفراوت، واملن، بإقليم تيزنيت وايت عبد الله بإقليم تارودانت ،وإداوكنضبف بإقليم شتوكة – أيت باها، على سبيل المثال لا الحصر، ليرى بأم عينه الساكنة المغمورة في ظل ظروف معيشية صعبة “بتعمل إيه!”
المجهودات الجمعوية وتمويلات المحسنين حفرت الٱبار، بنت مستوصفات ودور الطالب وساهمت في بناء مدارس وثانويات (ايت عبد الله نمودجا)، مراكز تصفية الدم، مراكز تأهيل الشباب وذوي الاحتياجات الخاصة (أملن نمودجا). وكل مساجد قرى سوس، وتم تبليط جل طرقات القرى، وغيرها لا تتسع المساحة للتفاصيل.
سوس، كنموذج من ربوع الوطن، غنية برجالاتها، قوية بنسائها المرابطات بالجبال الحافظات للتقاليد، ومتنوعة بإرثها الهوياتي وبثقافتها المتجدرة بتاريخها النضالي وبجمال طبيعتها وتشبت الساكنة بالارض والحفاظ على موروثها اللامادي الاثري، وإيمان اهلها بجدوى العمل التضامني الممارس منذ القدم. فكيف للعمل الجمعوي ان لا ينجح في هامش مقصي من السير بوتيرة السرعة الاولى؟
بيت القصيد، العمل المدني بسوس جهد تكميلي لمسؤوليات الدولة في توزيع الثروة بإنصاف، وفرصة للأشخاص للتطوع ورد الإعتبار للوطن. العمل الجمعوي يحمل في جوهره واجب وطني ووعي بالذات والبعد الإنساني. هدفه الاستثمار في العنصر البشري الذي يعتبر الرأسمال اللامادي وكنز الوطن.
وذلك من خلال أنشطة تعاونية هادفة للنساء مدرة للدخل، وأخرى متنوعة تنمي قدرات العنصر البشري بتكوينه وتمكينه تربويا وإقتصاديا ومساعدته لتجاوز تحديات العصر. دور الفاعل الجمعوي كفاعل ترابي هو العمل بجانب المنتخب ورجل السلطة والموظف الحكومي كمسؤولين إداريين بمنطق العمل التشاركي من أجل تبسيط المساطر، وتجاوز العقبات الإدارية ولفت الإنتباه للنواقص وتدارك الهفوات للمساهمة في التنمية المحلية.
رجل السلطة مثلا، لم يعد همه الوحيد هو الهاجس الأمني والتعامل السلطوي التقليدي للقرن الماضي. من بين مسؤولياته المعاصرة التواصل المستمر مع جمعيات المجتمع المدني والمساهمة في التنمية المستدامة للمنطقة وتشجيع المبادرات الميدانية الجادة، والعمل على توفير ظروف الإستقرار الأسري والعيش الكريم للساكنة والتقرب منهم والإنصات لهمومهم والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لمشاكلهم اليومية. لقد ولى عهد التباعد والتنافر والنظر لرجل السلطة كٱلة قمعية عقابية مخزنية. العهد الجديد زمن الحكامة والتواصل الفعال وممارسة الحقوق المدنية، والحريات المسؤولة وتقريب الإدارة من المواطنين،
ربما من باب ربط المسؤولية بالمحاسبة، وجب ترقية والحسم في اماكن إنتقالات رجال السلطة حسب درجة مساهماتهم في العمل التنموي في مناطق نفوذهم كمعيار اداري عادل.
للاسف من عوائق التنمية بجبال سوس البنية العقلية المتحجرة للبعض، والتفكير المحنط للبعض الٱخر، والإنتماء وجدانيا للزمن الغابر او الحنين لممارسة سلطة مخزنية قمعية وسلوك إستعلائي ممزوج بتضخم الأنى والإنفصام والتناقض في ممارسة العمل الإداري والهروب للامام. هذه ممارسات ولت ولم تعد تتلاءم مع متطلبات وتوجيهات العهد الجديد وتطلعات المغرب الصاعد.
العمل الإداري أسلوب قبل ان يكون ممارسة سلطة، كما قال حكيم: تذكر، بين كسب القلوب وكسر القلوب شعرة رفيعة إسمها: الأسلوب.
بهكذا سلوك وجفاء في التواصل والتباعد بين الأطراف المكونة للفعل التنموي الميداني ندفع بالعمل الجمعوي كقيمة مضافة في المجال الترابي وحلقة فاعلة ميدانيا نحو الإنزواء والركود والإنتحار.
السؤال المشروع، هو من المستفيد في كسر أجنحة الجمعيات المدنية التطوعية الفاعلة ميدانيا والدفع بها نحو الإنسحاب وإخلاء الساحة؟ المؤكد ان الخاسر الأكبر هي المنطقة والساكنة والوطن. فمن يدفع في إتجاه خسارة الوطن؟
العمل الجمعوي حق يضمنه دستور المملكة وتحميه قوانين البلد وتفعله مسؤوليات الاعضاء ومن واجب الموظف الإداري ان ينظبط للمساطير الإدارية ويعمل على تبسيطها وتسهيل الأنشطة الميدانية ليتحقق فعل التواصل واهداف التنمية المستدامة التي نعتبر أنفسنا جميعا شركاء فيها داخل وطن يجمعنا.
الفعل المدني عمل تطوعي نابع عن قناعة وإيمان ومبادئ؛ لا ينتظر صاحبه ترقية إدارية او الإستفادة من إمتيازات مادية، او إضافة لسيىرة ذاتية قد يفعلها كورقة رابحة في المنافسة لمنصب مسؤولية.
الفاعل الجمعوي تنطبق علية مقولة الرئيس الامريكي الراحل، جون كينيدي حين قال: “Don’t ask what your country can do for you, but ask what you can do for your country” بمعنى تقريبي “لا تسأل عما يمكن لبلدك ان يمنحك، بل إسال ماذا يمكن ان تعمله من أحل الوطن.”
إلى ذلك الحين، تصبحون على وطن متنوع، تنموي متناغم من القاعدة حتى اعلى درجات الهرم المجتمعي.
* رئيس جمعية تيويزي للتنمية الإجتماعية لايت عبد الله.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



