الجهة اليومالرأي

الهجرة وكرة القدم: الرياضة بوصفها أداة للوساطة الاجتماعية وبناء ثقافة العيش المشترك

من التنافس الرياضي إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية
تكشف التجربة الميدانية بإكرام وتدارت وبلفاع أن الهجرة نحو إقليم اشتوكة آيت باها تتميز بطابعها الشبابي، إذ يشكل الشباب، من الجنسين، النسبة الأكبر من الوافدين إلى المنطقة للعمل في القطاع الفلاحي. ويترتب عن هذه الخصوصية بروز حاجيات اجتماعية وثقافية وترفيهية تتجاوز توفير فرص الشغل والسكن، لتشمل الحاجة إلى فضاءات للتواصل وبناء الروابط الاجتماعية وتدبير الاختلاف.
وفي هذا السياق، تبرز كرة القدم باعتبارها اللغة المشتركة التي يتقاسمها شباب إفريقيا. فهي ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل تمثل إحدى أهم وسائل التعبير عن الهوية والانتماء، وقد تتحول في بعض المناسبات إلى رمز وطني تتداخل فيه المشاعر الرياضية مع الذاكرة الجماعية والانتماءات القومية. ولذلك فإن فهم ديناميات كرة القدم داخل تجمعات المهاجرين يتيح فهماً أعمق لآليات الاندماج والصراع في الآن ذاته.
وقد أبانت الملاحظة الميدانية أن المهاجرين كانوا، بعد انتهاء يوم العمل، يبحثون عن متنفس يخفف عنهم مشقة العمل والعزلة الاجتماعية، فوجدوا في كرة القدم فضاءً لإعادة إنتاج الحياة الجماعية. ولم يكن غريباً أن تتحول أراضٍ مهجورة ومطارح عشوائية للنفايات إلى ملاعب شعبية بعد أن قام الشباب بتنظيفها وتأهيلها بوسائلهم الخاصة، في سلوك يعكس قدرة الفاعلين الاجتماعيين على إعادة إنتاج المجال وتحويله إلى فضاء للاندماج والتفاعل.
غير أن التجربة أظهرت أيضاً أن الرياضة ليست دائماً مجالاً للتقارب، بل قد تصبح وسيلة لإعادة إنتاج الصراعات التي حملها المهاجرون معهم من بلدانهم الأصلية. فقد عرف تنظيم “كأس إفريقيا للمهاجرين” بإكرام، الذي جمع سبع عشرة جنسية، توترات حادة بين بعض المنتخبات، خاصة بين مهاجرين ينحدرون من دول كانت تعرف تنافسات سياسية أو رياضية في بلدانها الأصلية، الأمر الذي أدى إلى توقف الدوري قبل نهايته. وتؤكد هذه الواقعة أن الهجرة لا تؤدي بالضرورة إلى القطيعة مع الانتماءات السابقة، بل قد تعيد تشكيلها داخل المجال الجديد.
وفي المقابل، أفرزت التجربة نفسها آليات مبتكرة للوساطة الاجتماعية. فقد أدرك الوسطاء الاجتماعيون وقادة المجموعات أن تنظيم المنافسات على أساس الجنسية يعزز الانقسام، فتم اعتماد فرق مختلطة تجمع لاعبين من جنسيات متعددة إلى جانب شباب الدواوير المحلية. وأسهم هذا التحول في نقل العلاقة من منطق التنافس بين الهويات إلى منطق التعاون داخل فريق واحد، وهو ما يمثل انتقالاً من الاندماج الشكلي إلى الاندماج القائم على تقاسم الأهداف والمسؤوليات.
كما برهنت تجربة “دوري الصداقة” ببلفاع على أن نجاح المبادرات الرياضية لا يرتبط فقط بالتنظيم، بل أيضاً باختيار المجال المناسب وبحضور التأطير الاجتماعي المستمر. أما في تدارت، فقد أظهر تدخل الوسطاء الاجتماعيين بعد أحد النزاعات أن الحوار والتفاوض أكثر فعالية من المقاربة الزجرية، حيث انتهى الخلاف إلى اتفاق حول تقاسم استعمال الملعب، قبل أن يتطور الأمر إلى تشكيل فريق موحد شارك في دوري رمضان بسيدي بيبي، في تجربة تجسد الانتقال من الصراع إلى التعايش.
وتكشف مباراة نهائي كأس الأمم الإفريقية بين المغرب والسنغال بعداً آخر للعلاقة بين الرياضة والهجرة. فقد انعكست المنافسة الرياضية على العلاقات اليومية بين بعض الجاليات، وأنتجت توترات تجاوزت حدود الملعب لتصل إلى الأحياء السكنية. غير أن تدخل الوسطاء الاجتماعيين، واعتماد خطاب يدعو إلى ضبط النفس واحترام الآخر، حال دون تحول هذه التوترات إلى مواجهات أوسع، وهو ما يبرز أهمية الوساطة باعتبارها آلية استباقية لتدبير الأزمات داخل مجتمعات الهجرة.
نحو ثقافة للعيش المشترك عبر الرياضة
إن التجارب السابقة تؤكد أن كرة القدم يمكن أن تتحول إلى مدرسة للتعايش إذا أُحسن تأطيرها، ويمكن أن تصبح في الوقت نفسه مصدراً للتوتر إذا تُركت دون مواكبة اجتماعية وثقافية. لذلك فإن بناء ثقافة العيش المشترك يقتضي الانتقال من تنظيم مباريات ظرفية إلى اعتماد مشروع مجتمعي يجعل من الرياضة أداة للإدماج والتنمية.
وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح جملة من التدابير العملية:
إحداث دوريات رياضية مختلطة تجمع المهاجرين والسكان المحليين بعيداً عن منطق التنافس بين الجنسيات.
تكوين وسطاء اجتماعيين ورياضيين قادرين على تدبير النزاعات داخل الملاعب وخارجها.
إدماج الأنشطة الثقافية والفنية والموسيقية والمطبخ الإفريقي والمغربي ضمن التظاهرات الرياضية لتعزيز التعارف المتبادل.
إنشاء فضاءات رياضية للقرب داخل التجمعات السكنية الجديدة بما يحد من الاحتكاكات المرتبطة باستعمال المرافق.
إشراك الجماعات الترابية والجمعيات والأندية الرياضية وأرباب الضيعات الفلاحية في تمويل وتنظيم هذه المبادرات.
إحداث “ميثاق للعب النظيف والعيش المشترك” يوقع عليه جميع المشاركين، ويرتكز على قيم الاحترام، ونبذ التمييز، والتسامح، والتضامن.
خلاصة تركيبية
تكشف التجربة الميدانية بإكرام وتدارت وبلفاع أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي مرآة تعكس التحولات الاجتماعية التي تعرفها مناطق الهجرة. فهي قادرة على إنتاج التوتر عندما تستدعي الهويات الوطنية المتنافسة، لكنها تمتلك، في الوقت نفسه، قدرة استثنائية على بناء الثقة وتقريب الشعوب عندما تؤطرها مؤسسات الوساطة الاجتماعية.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في تنظيم المنافسات الرياضية في حد ذاتها، بل في بناء نموذج للتدبير المجتمعي يجعل من الرياضة رافعة للاندماج، ومختبراً للعيش المشترك، وآلية للوقاية من النزاعات داخل المجالات التي تعرف تحولات ديموغرافية وثقافية متسارعة. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الاستثمار في الرياضة استثماراً في السلم الاجتماعي، وفي ترسيخ قيم المواطنة والتنوع والتعايش داخل مجتمع أصبح أكثر تعدداً من أي وقت مضى.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/