أكادير اليوم

نساء من المغرب: نادية بوراس.. صوت الهجرة المغربية في هولندا

في أوروبا التي ما تزال تخوض نقاشاً يومياً حول الهجرة والهوية والانتماء، برزت المؤرخة الهولندية المغربية نادية بوراس – Nadia Bouras كواحدة من أهم الأصوات الفكرية التي أعادت كتابة قصة المغاربة في هولندا من الداخل؛ لا بوصفهم “ظاهرة اجتماعية” أو “ملفاً سياسياً”، بل باعتبارهم بشراً حملوا معهم الذاكرة واللغة والحنين والكفاح، وساهموا في بناء بلد جديد دون أن يتخلوا عن جذورهم الأولى.

ولدت نادية بوراس سنة 1981 في مدينة امستردام لأسرة مغربية مهاجرة تنتمي إلى جيل السبعينيات. والدها جاء من منطقة سيدي إفني جنوب المغرب، بينما تنحدر والدتها من مدينة الدار البيضاء. كانت العائلة جزءاً من ذلك الجيل الذي غادر المغرب بحثاً عن حياة أفضل في أوروبا، في زمن كانت فيه هولندا تستقدم العمال المغاربة للعمل في المصانع والموانئ وقطاعات البناء.

نشأت نادية في حي “دي بايب” الشعبي بأمستردام، وسط بيئة متعددة الثقافات، لكنها في الوقت نفسه كانت تعيش داخل بيت مغربي محافظ يحتفظ بلغته وعاداته وصلته القوية بالمغرب. هذا التوازن بين عالمين سيصبح لاحقاً محوراً أساسياً في مشروعها الفكري والبحثي. فقد عاشت منذ طفولتها سؤال الهوية المركبة: كيف يمكن للإنسان أن يكون مغربياً وهولندياً في آن واحد؟ وكيف تتحول الهجرة من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة وجودية كاملة؟

اللافت في سيرتها أنها لم تكتفِ بالاندماج في النظام التعليمي الهولندي، بل درست أيضاً في “مدرسة البشرى” العربية بأمستردام، وهي من أوائل المدارس العربية والإسلامية التي أُنشئت لأبناء المغاربة في هولندا. هناك تعلمت العربية، واطلعت على تاريخ المغرب وجغرافيته وثقافته، وهو ما منحها ارتباطاً مبكراً بجذورها المغربية. لاحقاً ستصف تلك المدرسة بأنها لعبت دوراً محورياً في تشكيل وعيها الثقافي والهوياتي.

منذ سنوات المراهقة، كانت نادية شغوفة بالتاريخ. لم تكن تنظر إلى التاريخ باعتباره مادة مدرسية جافة، بل كمرآة لفهم الإنسان والمجتمع. ولهذا اختارت دراسة التاريخ في Vrije Universiteit Amsterdam، قبل أن تواصل مسارها الأكاديمي في Leiden University، إحدى أعرق الجامعات الأوروبية، حيث حصلت على الدكتوراه في التاريخ، متخصصة في تاريخ الهجرة المغربية والعلاقات بين المغاربة ووطنهم الأم بعد الهجرة.

وكانت أطروحتها للدكتوراه بعنوان “Het land van herkomst” أو “بلد الأصل”، وهي دراسة معمقة تناولت علاقة المغاربة المهاجرين بالمغرب بين 1960 و2010، وكيف حافظوا على روابطهم الثقافية والاجتماعية والسياسية مع وطنهم رغم استقرارهم في أوروبا. وقد شكل هذا العمل مرجعاً مهماً في دراسات الهجرة داخل هولندا.

لكن قوة نادية بوراس لا تكمن فقط في عملها الأكاديمي، بل في الطريقة التي اقتربت بها من موضوع الهجرة. فهي لا تكتب عن المهاجرين من خلف مكتب جامعي معزول، بل تنطلق من قصص الناس العاديين؛ من العمال الذين جاؤوا بحقائب صغيرة وأحلام كبيرة، ومن النساء اللواتي بنين العائلات في الغربة، ومن الأطفال الذين ولدوا بين ثقافتين. ولهذا جاءت أعمالها الإنسانية قريبة من الناس، بعيدة عن اللغة الجامدة التي تطغى أحياناً على الدراسات الأكاديمية.

من أشهر أعمالها كتاب “Marokkanen in Nederland: de pioniers vertellen” أي “المغاربة في هولندا: الرواد يروون”، الذي أنجزته بمشاركة باحثين آخرين بمناسبة مرور أربعين سنة على اتفاقية استقدام العمال المغاربة إلى هولندا. في هذا الكتاب، أعادت نادية الاعتبار للجيل الأول من المهاجرين المغاربة، أولئك الذين عملوا في صمت لعقود طويلة دون أن تُروى قصصهم كما ينبغي.

وقد ركزت من خلال أبحاثها ومحاضراتها على تفكيك كثير من “الأساطير” المرتبطة بالمغاربة في هولندا. فهي ترى أن النقاش السياسي والإعلامي في أوروبا كثيراً ما يقدم صورة مشوهة عن المهاجرين، ويختزلهم في مشاكل اجتماعية أو أمنية، بينما يتجاهل تاريخهم الحقيقي وإسهاماتهم الاقتصادية والثقافية. ولهذا أصبحت معروفة داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية كصوت يدافع عن قراءة أكثر عدلاً وإنسانية لتاريخ الهجرة المغربية.

كما اشتغلت نادية بوراس على قضايا العنصرية والإسلاموفوبيا وتمثيل المغاربة في الإعلام والسياسة الهولندية، وشاركت في العديد من النقاشات العامة والبرامج التلفزيونية التي تتناول أوضاع الجاليات المسلمة في أوروبا. وفي زمن تصاعد الخطاب الشعبوي واليميني في هولندا وأوروبا، أصبحت من الأصوات الأكاديمية التي تدعو إلى فهم أعمق وأكثر هدوءاً لمسألة الاندماج والهوية.

وتتميز نادية أيضاً بقدرتها على الجمع بين الصرامة الأكاديمية والحضور الإنساني. فهي لا تخفي انتماءها المغربي، ولا تتعامل معه كعبء يجب التخلص منه من أجل “القبول” داخل المجتمع الأوروبي. بالعكس، حولت هذا الانتماء إلى مصدر قوة معرفية، وجعلت من تجربتها الشخصية نافذة لفهم تحولات جيل كامل من أبناء المهاجرين في أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت مرتبطة أيضاً بـ NIMAR، المعهد الهولندي في المغرب بمدينة الرباط، حيث تواصل أبحاثها حول التاريخ المغربي المعاصر والهجرة والعلاقات الثقافية بين المغرب وهولندا. كما تعمل حالياً على مشروع بحثي حول التاريخ الحديث للمغرب، ما يعكس انتقالها من دراسة الهجرة فقط إلى الاهتمام بالسياق التاريخي المغربي الأوسع.

ورغم مكانتها الأكاديمية، لا تزال نادية بوراس قريبة من الجيل الجديد من أبناء الجالية المغربية. كثير من الشباب المغاربة في هولندا يرون فيها نموذجاً ناجحاً لامرأة استطاعت أن تحقق حضوراً قوياً داخل الجامعة والإعلام، دون أن تنفصل عن جذورها الثقافية أو عن قضايا مجتمعها.

إن تجربة نادية بوراس تكشف شيئاً أعمق من مجرد نجاح فردي. إنها تعكس تحوّل أبناء الهجرة المغربية في أوروبا من موضوع للدراسة إلى صانعي معرفة بأنفسهم. فبعد عقود طويلة كان فيها الآخرون يكتبون عن المغاربة، ظهرت أصوات مثل نادية بوراس لتقول: “حان الوقت لكي نروي قصتنا بأصواتنا نحن”.

وفي عالم يزداد انقساماً حول قضايا الهوية والهجرة، تبدو أعمال نادية بوراس أشبه بجسر هادئ بين ضفتين؛ ضفة المغرب التي حملها الآباء في الذاكرة، وضفة أوروبا التي وُلد فوق أرضها الأبناء. وبين الضفتين، تواصل هذه المؤرخة المغربية الهولندية كتابة تاريخ لا يتعلق بالماضي فقط، بل بمستقبل أجيال كاملة من مغاربة العالم.

عن موقع “مهاجرون” مهاجرون

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/