الرأي

مرافعة الانتماء والسيادة: ردًا على حملات التشويش ضد المنتخب الوطني المغربي وأبناء جاليته

أيها السيدات والسادة،
عندما نتأمل المشهد الكروي العالمي اليوم، ونرى تلك الحملات الإعلامية الممنهجة التي تحاول النيل من شرعية تمثيل أبناء الجالية المغربية لمنتخبهم الوطني، ندرك سريعاً أننا لسنا أمام نقد رياضي موضوعي، بل أمام حالة من العجز الفكري والغيرة الحضارية. إنها محاولات يائسة للتشويش على نموذج مغربي ناجح، استطاع أن يحقق ما عجز عنه الآخرون: أن يزاوج بين الاحترافية العالمية والارتباط الوجداني المطلق بالوطن.
أولاً: مغالطة “التجنيس” وتزييف القانون الدولي
دعونا نضع النقاط على الحروف ونخاطب العقول بالقانون والمواثيق الرياضية الدولية. إن المملكة المغربية لا تقوم بـ “تجنيس” اللاعبين، ولا تشتري ذممهم بالمال. المغرب يستدعي أبناءه الشرعيين بقوة القانون وقانون الدم. الفصل الثالث من قانون الجنسية المغربية واضح وصريح: الجنسية حق تلقائي لكل من ولد من أب مغربي أو أم مغربية.
إن هؤلاء الشباب يحملون الهوية المغربية في قلوبهم وجوازات سفرهم قبل أن تدوس أقدامهم المستطيل الأخضر وقبل أن تلتفت إليهم أضواء الشهرة. الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) لم يضع قوانين الجنسية المزدوجة عبثاً، بل وضعها احتراماً لحقوق الإنسان وحرية الفرد في اختيار نداء قلبه وجذوره. وبالتالي، فإن تمثيل المغرب هو ممارسة لحق كوني ووجداني أصيل، وليس “استيراداً” أو “تجنساً” كما تدعي الأقلام المأجورة.
ثانياً: النفاق الأوروبي وازدواجية المعايير الصارخة
كيف لبلدان بنت أمجادها الكروية والتاريخية على أكتاف المهاجرين أن تحاضر اليوم في مفهوم “التبعية الرياضية”؟
* فرنسا: التي توجت بكأس العالم لمرتين بمنتخبات تشكلت غالبيتها الساحقة من أبناء المهاجرين القادمين من إفريقيا (الكونغو، الكاميرون، المغرب مالي، السنغال، الجزائر…)، تستفيد من منظومة تكوين محلي لدمجهم، لكنها تصاب بالصدمة والإنكار عندما يقرر لاعب يتدفق الدم المغربي في عروقه أن يختار بلده الأم.
* إسبانيا: التي أقامت الدنيا ولم تقعدها، واستخدمت كل وسائل الضغط السياسي والإعلامي لـ “سرقة” الجوهرة المغربية الأمين جمال (يامال)، ذو الأصول المغربية القوية، هي ذاتها المنصات الإعلامية التي حاولت التقليل من خطوة النجم براهيم دياز عندما اختار تمثيل أسود الأطلس. إنهم يحللون لأنفسهم استقطاب المواهب، ويبكون “القومية الرياضية” عندما تفشل مخططاتهم في احتجاز قلوب أبنائنا.
* بلجيكا وهولندا وألمانيا وإنكلترا: كلها قوى كروية قامت نواتها الصلبة لسنوات على قامات ديموغرافيّة مهاجرة (من سورينام، الكونغو، والمغرب). فلماذا يصبح الحق المغربي محط تساؤل بينما استغلال الدول الأوروبية لجهود المهاجرين يُعد “اندماجاً عبقرياً”؟
ثالثاً: شواهد العالم الكبرى.. من أمريكا إلى اليابان
إذا كان مقياس المنصات المناوئة هو مكان الولادة والتكوين، فلماذا يصمتون أمام الولايات المتحدة الأمريكية؟ التي يلعب في صفوف منتخبها تيموثي وياه، وهو ليس مجرد مواطن عادي، بل ابن رئيس دولة إفريقية (الأسطورة جورج وياه رئيس ليبيريا) ومع ذلك يمثل الراية الأمريكية دون أن ينبس أحد ببنت شفة! بل إن أمريكا تعتمد كلياً على لاعبين وُلدوا ونشأوا في ألمانيا.
وماذا عن اليابان الحذرة ديموغرافياً، والتي باتت تعتمد على مواهب من أصول مختلطة وجنسيات متعددة (مثل حارسها زيون سوزوكي ذو الأصول الغانية الأمريكية) لتطوير قدراتها؟ ناهيك عن دول أوروبية وآسيوية تقوم بـ “التجنيس الصافي بالمسطرة” للاعبين برازيليين وأفارقة لا تربطهم بتلك البلدان أي صلة دم أو تاريخ، فقط لأنهم قضوا سنوات قليلة في دورياتها المحلية. وهنا نتحدث بشكل صريح على قطر. التي انخرطت قناتها المعروفة في هذا الهذيان…
رابعاً: تفكيك عقد الجوار والإقليم (قطر ومصر)
ومن المثير للدهشة أن تنخرط منصات إعلامية من دول كـ قطر في هذا التشويش. قطر التي تمثل النموذج الأوضح عالمياً للدولة التي استوردت كل شيء لبناء أمجادها الرياضية (في كرة القدم، كرة اليد، وألعاب القوى)، وتحاول اليوم محاصرة التراث المغربي الأصيل ونسبه لنفسها (من معمار، وطبخ، وقفطان). إن الهجوم الإعلامي هنا ينبع من “عقدة النقص التاريخية” أمام حضارة مغربية عريقة تمتد للألاف من الاستمرارية السياسية والثقافية.
أما بخصوص المحاولات الفكرية لبعض المنصات في مصر، والتي تحاول احتكار مفاهيم الهوية أو الهجوم على التعددية المغربية، فنذكرهم بأن التاريخ لا يرحم التناقضات. فمصر التي تتأرجح في سردياتها بين الفرعونية والعربية والوجدان القبطي والإسلامي، تعجز أحياناً عن استيعاب “المرونة المغربية”. إنهم لا يستطيعون فهم كيف يكون المغرب متنوعا أمازيغي وإفريقي ومتوسطي في آن واحد، وكيف تنجح هذه التعددية في نسج رابطة مقدسة تجعل المهاجر المغربي في أوروبا مرتبطاً بوطنه، بينما تفشل نماذجهم التقليدية في الحفاظ على صلة الوصل مع مغتربيها.
خامساً: البُعد الأمازيغي.. الروح واللغة والأرض
وهنا نصل إلى السر الأعظم والعمق الإنساني الذي يعجز خصوم المغرب عن فك شفرته: الثقافة الأمازيغية.
إن ارتباط الجالية المغربية ببلدها ليس مجرد تحويلات مالية أو استثمارات اقتصادية وجلب للعملة الصعبة (رغم أهميتها البالغة في استقرار وتنمية البلاد). إنه ارتباط روحي أنثروبولوجي يضرب جذوره في التربة الأمازيغية للمملكة.
الثقافة الأمازيغية هي ثقافة “أكال” (الأرض)؛ ارتباط مقدّس بالتراب والمنشأ والجدود. الأمازيغية كفكر ووجدان تُعلم الإنسان المغربي أن الأرض عرض، وأن الهوية لا تباع ولا تشترى، وأن لغة الأم وثقافتها هي الحبل السري الذي لا ينقطع مهما طالت المسافات. هذا الرابط الأنثروبولوجي المتين بين الإنسان والأرض واللغة هو الذي يتجلى في بيوت الجالية المغربية في أمستردام، باريس، وبروكسيل، حيث تنشأ الأجيال الثالثة والرابعة على حب المغرب والدفاع عن قضاياه الوطنية والاستثمار فيه مستقبلاً، لأنهم يدركون أن “الأصل لا يزول”.
سادساً: إنه الحسد من نجاح النموذج المغربي
أيها السيدات والسادة، إن هذا الصراخ الإعلامي المناوئ ما هو إلا صدى للنجاح المبهر الذي حققه المغرب في الدبلوماسية الرياضية الهجومية. إن الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022 بالوصول إلى المربع الذهبي كأول منتخب إفريقي، زلزل عروش الهيمنة الكروية الغربية وأيقظ غيرة الخصوم الإقليميين.
لقد صُدم العالم برؤية شباب وُلدوا في أرقى العواصم الأوروبية، لكنهم يبكون بحرقة عند عزف النشيد الوطني المغربي، الملعب، ويطوفون بالراية المغربية، وبعلم الهوية الامازيغة دو الالوان الثلاثة الجميلة ويتوسطه حرف الزاي من ابجدية تيفيناغ الخالدة التي اقرها قرار ملكي سامي لتكتابة وتدريس اللغة الامازيغية ويقبلون أيدي رؤوس أمهاتهم المغربيات أمام كاميرات العالم. هذا المشهد الإنساني الخالص مثّل إعلاناً صريحاً عن فشل سياسات “الاندماج القسري” الأوروبية، وفي نفس الوقت أحرج بلدانًا أخرى لا يجد مغتربوها أي دافع معنوي أو وطني للعودة إليها أو التضحية من أجل رايتها.
ختاماً:
عندما يهاجمون المغرب، اسألوهم سؤالاً واحداً ومباشراً يفضح تهافتهم:
“إذا كانت دول العالم تشتري لاعبين بالمال لمنحهم جنسيات مزيفة، وإذا كانت أوروبا تستنزف خيرات ومواهب المهاجرين لبناء مجدها الرياضي.. فلماذا يُلام المغرب لأن أبناءه البررة اختاروا، طواعية وبنداء القلب والدم والتراب الأمازيغي الأصيل، العودة إلى حضن وطنهم الأم؟”
المغرب لا يستورد أحداً؛ المغرب يفتح ذراعيه لأبنائه، والأسود لا تزار إلا في عرينها.
الحسين بوالزيت
صحافي وباحث في التاريخ. سلا في 16 يونيو 2026

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى