الثقافة

حين كانت الآلات تُعلِّم الأحلام

الحسين بوالزيت
صحافي وباحث في التاريخ

لم يكن ذلك التلميذ القروي يرى في الآلات مجرد حديد ومفاتيح وأسلاك. كان يراها كائناتٍ حيةً تنبض بالأسرار. كانت الآلة الكاتبة بالنسبة إليه أشبه بحصانٍ معدنيٍّ يحمل الكلمات إلى أماكن بعيدة لا يصلها الأطفال. وكان صوتها، ذلك المزيج العجيب من الطقطقات المتسارعة ورنين الجرس عند نهاية السطر، موسيقى خاصة لا تشبه شيئًا آخر في العالم.
في مكاتب الكتابة العمومية بمركز المدينة، كان يقف طويلًا قرب الأبواب والنوافذ، متظاهرًا بالانشغال بشيء آخر، بينما كان قلبه وأذناه معلقين بذلك الإيقاع الساحر. كان يتابع أصابع الكاتب وهي تركض فوق المفاتيح السوداء، فيشعر أن الحروف تتحول أمامه إلى قدرٍ جديد لأصحاب الرسائل والطلبات والشكايات. لم يكن يفهم كل ما يُكتب، لكنه كان يشعر أن الكلمات المكتوبة على تلك الآلات تمتلك قوة لا تُرى، قوة تجعل الناس يسافرون ويعملون ويتزوجون ويشتكون ويحلمون.
وأحيانًا كان الفضول أقوى من الحذر. فيغامر بسرقة السمع، بل وسرقة النظر أيضًا، محاولًا أن يلتقط بعض الكلمات قبل أن تختفي بين السطور. وكانت المغامرة تبلغ ذروتها عندما يمر قرب مخفر الدرك في مركز المدينة. هناك كان لصوت الآلة الكاتبة وقعٌ آخر؛ أكثر هيبةً وجديةً وغموضًا. كان يسمع الطقطقات القادمة من الداخل فيتباطأ في سيره، كأنما يستمع إلى لغة سرية تخص عالم الكبار. كان شيء ما في ذلك الصوت يجذبه بقوة، فيبقى معلقًا بين رهبة المكان وسحر الآلة.
وفي البيت، أو في الأمسيات الهادئة، كان المذياع يتولى المهمة التي تعجز عنها الآلة الكاتبة. فإذا كانت الآلة تصنع الكلمات، فإن المذياع يمنحها أجنحة. كان ذلك الصندوق الصغير يفتح له نوافذ على مدن وقارات لم يرها قط. وكان لصوت إذاعة لندن الدولية مكانة خاصة في وجدانه. كم من ليلةٍ أمضاها وهو يدير المؤشر ببطء بين الموجات، يلاحق صوتًا يختفي ويعود، حتى يستقر أخيرًا على ذلك البث القادم من وراء البحار.
هناك تعرّف إلى عالم أوسع من قريته الصغيرة. هناك اكتشف أن للأحداث وجوهًا متعددة، وأن للكلمات سلطة تتجاوز الحدود. كانت لندن بالنسبة إليه مدينةً متخيلة بقدر ما كانت حقيقية، مدينةً يسكنها المذيعون الذين يخاطبونه من بعيد وكأنهم يعرفونه شخصيًا.
ثم جاء زمن أجهزة التسجيل والكاسيت، حيث أصبح بالإمكان الإمساك باللحظات قبل أن تتبخر. كانت الأغاني والبرامج والأصوات تُحبس داخل الأشرطة، كما تُحبس الذكريات داخل القلب. وكان التلميذ يشعر للمرة الأولى أن الزمن يمكن أن يُستعاد بمجرد الضغط على زر.
ولم يكن يدرك آنذاك أن تلك الآلات التي أحبها إلى هذا الحد لم تكن مجرد هواية طفولة، بل كانت إشارات مبكرة إلى الطريق الذي سيختاره لاحقًا. فالطفل الذي كان يتلصص على الآلات الكاتبة، ويصغي إلى إذاعة لندن، ويطارد الأصوات في أجهزة التسجيل، كان في الحقيقة يتدرّب دون أن يعلم على مهنة المستقبل.
وحين كبر وأصبح صحفيًا، عاد إلى تلك الآلات القديمة كما يعود الإنسان إلى ينبوعه الأول. اقتناها واحدةً بعد أخرى، لا بوصفها قطعًا أثرية، بل باعتبارها أجزاءً من سيرته الشخصية. كان يشعر أن كل آلة منها تحمل شيئًا من ذلك التلميذ القروي الذي سكنه يومًا. وحين يلمس مفاتيحها أو يسمع رنينها، يعود إليه الطفل نفسه، بفضوله وأحلامه ولهفته الأولى.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أنها ليست استثناءً في تاريخ الصحافة والأدب. فكثير من كبار الكتّاب والصحفيين بدأوا حياتهم وهم مفتونون بالأصوات والكلمات والأجهزة التي تنقلها. فالصحفي والروائي البريطاني جورج أورويلكان يقضي ساعات طويلة مراقبًا تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة التي يصنع منها لاحقًا أدبه وصحافته. وكان البريطاني تشارلز ديكنز، قبل أن يصبح أحد أعظم الروائيين، شابًا يراقب الشوارع والناس ويجمع الحكايات من كل زاوية. أما الفرنسي ألبير كامو فقد خرج من بيئة متواضعة وحمل معه فضولًا لا يشبع تجاه الإنسان والعالم، بينما بدأ ألبرت لوندر، أحد أعظم الصحفيين الفرنسيين، رحلته من الهامش قبل أن يصبح رمزًا للتحقيق الصحفي الميداني.
يجمع بين هؤلاء جميعًا شيء واحد: أنهم لم يولدوا عظماء، بل كانوا أطفالًا مفتونين بالعالم من حولهم. كانوا يصغون أكثر مما يتكلمون، ويراقبون أكثر مما يظهرون، ويجمعون التفاصيل التي يتجاهلها الآخرون.
وهكذا يبدو ذلك التلميذ القروي، وهو واقف أمام آلة كاتبة في مكتب عمومي أو قرب مخفر الدرك أو بجانب مذياع يلتقط إذاعة لندن الدولية، قريبًا في جوهره من أولئك الكبار جميعًا. فالحلم يبدأ دائمًا من دهشة صغيرة. وقد كانت دهشته هو صوت مفتاحٍ يضرب ورقة، ورنين جرسٍ يعلن نهاية السطر، وموجةٍ إذاعية تعبر البحار لتخبر طفلًا في قرية بعيدة أن العالم أكبر بكثير مما يراه بعينيه.
وربما لهذا السبب اقتنى تلك الآلات عندما أصبح صحفيًا؛ لأنه أدرك متأخرًا أن بعضها لم يكن مجرد أدوات، بل كان أساتذة صامتين. هي التي علّمته الإصغاء قبل الكتابة، والإنصات قبل السؤال، والحلم قبل أن يحمل بطاقة الصحافة أو يفكر في كتابة رواية. كانت بداياته كلها مختبئة داخل أصواتها، وما يزال كل رنينٍ منها إلى اليوم يهمس له: هنا بدأت الحكاية.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى