
العلوج البرتغاليين في بلاط السلاطين إلى جواو ساكرامينتو في المنتخب المغربي: صفحات من تاريخ التبادل المغربي البرتغالي
الحسين بوالزيت : صحافي وباحث في التاريخ
يختزن تاريخ المغرب صفحات كثيرة من التفاعل مع أوروبا، غير أن إحدى أكثر هذه الصفحات إثارة للاهتمام وأقلها شهرة لدى عموم الناس هي قصة “العلوج” الذين خدموا الدولة المغربية خلال العهدين السعدي والعلوي. فعندما يُذكر تاريخ العلاقات المغربية البرتغالية أو الإسبانية، يتبادر إلى الذهن عادة تاريخ الحروب والحصون الساحلية والمعارك الشهيرة، وفي مقدمتها معركة وادي المخازن سنة 1578. لكن خلف هذه الصورة العسكرية التقليدية توجد قصة أخرى أكثر عمقاً وتعقيداً، تتعلق برجال قدموا من الضفة الشمالية للمتوسط، بعضهم أسرى حرب وبعضهم مغامرون وبعضهم مرتزقة أو حرفيون أو علماء، وانتهى بهم المطاف في خدمة السلاطين المغاربة، مساهمين في بناء الدولة والجيش والعمران. فما هو مفهوم العلوج في التاريخ المغربي
كانت كلمة “العلج” في الاستعمال المغربي الوسيط تطلق غالباً على الأوروبي المسيحي، ثم أصبحت تشير بصورة خاصة إلى الأسرى الأوروبيين أو المرتدين أو المرتزقة الذين دخلوا في خدمة الدولة المغربية بعد اعتناق الإسلام أو بعد ارتباطهم بالمخزن. وقد كان البرتغاليون والإسبان يشكلون النسبة الأكبر من هؤلاء العلوج، إلى جانب فرنسيين وإنجليز وإيطاليين وهولنديين.
ولم يكن العلوج جماعة متجانسة، بل كانوا ينتمون إلى خلفيات اجتماعية ومهنية متنوعة. فمنهم العسكريون والبحارة، ومنهم المهندسون والأطباء والبناؤون والنجارون وصناع المدافع والمترجمون والدبلوماسيون. ولهذا فإن حضورهم في تاريخ المغرب لم يكن عسكرياً فقط، بل كان أيضاً علمياً وتقنياً وعمرانياً. فكيف كانت البداية؟ وكيف وقع الاصطدام المغربي بالبرتغاليون في معركة وادي المخازن؟
شكّلت معركة وادي المخازن سنة 1578 نقطة تحول كبرى في تاريخ المغرب والبرتغال معاً. فقد انتهت بهزيمة قاسية للجيش البرتغالي ومقتل الملك سبستيان، ووقوع أعداد كبيرة من الجنود والضباط في الأسر.
عاد قسم من هؤلاء إلى بلاده بعد دفع الفدية، بينما بقي آخرون في المغرب. بعضهم اعتنق الإسلام، وبعضهم دخل في خدمة السلاطين السعديين، مستفيدين من مهاراتهم العسكرية والتقنية. ومنذ ذلك التاريخ أخذ حضور الأوروبيين، وخاصة البرتغاليين، يزداد داخل مؤسسات الدولة المغربية.
وقد أدرك السلاطين السعديون أن أوروبا قطعت أشواطاً مهمة في مجال المدفعية والهندسة العسكرية وصناعة السفن، ولذلك لم يترددوا في الاستفادة من خبرات هؤلاء الوافدين الجدد.
لماذا بحث أحمد المنصور الذهبي والبحث عن الخبرة الأوروبية؟
في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي بلغ توظيف الخبرات الأجنبية مستوى متقدماً. فقد كان المنصور يسعى إلى بناء دولة قوية تنافس القوى المتوسطية الكبرى، ولذلك اعتمد على الكفاءات أينما وجدت
ساهم العلوج في:
* تطوير سلاح المدفعية.
* صناعة الأسلحة النارية.
* بناء السفن الحربية.
* تنظيم الترسانات البحرية.
* تدريب الجنود المغاربة على التقنيات العسكرية الحديثة.
* تأطير بعض الوحدات الخاصة داخل الجيش
ومن أشهر الشخصيات المرتبطة بهذه المرحلة جودر باشا، الذي قاد الحملة المغربية الشهيرة نحو إمبراطورية صنغاي سنة 1591، وهي واحدة من أبرز الحملات العسكرية في تاريخ إفريقيا الغربية.
وماذا عن دور العلوج في عهد المولى إسماعيل؟
إذا كان العصر السعدي قد عرف بروز دور العلوج، فإن عهد السلطان المولى إسماعيل شهد ذروة نفوذهم وتأثيرهم.
فقد كان المولى إسماعيل رجل دولة كبيراً وصاحب مشروع سياسي وعسكري ضخم، احتاج إلى مهندسين وبنائين وخبراء في التحصينات والهندسة العسكرية. وكانت مكناس، عاصمته الشهيرة، ورشة مفتوحة استمرت عقوداً طويلة.
في هذه الورشة الكبرى اشتغل عدد من العلوج الأوروبيين في:
* بناء القصور.
* تشييد الأسوار.
* إقامة الأبراج والتحصينات.
* تصميم المنشآت العسكرية.
* صناعة المدافع.
* إنشاء المخازن والإسطبلات والمنشآت المائية
ولم يكن دورهم هامشياً، بل تركوا بصمات ما تزال شاهدة إلى اليوم فباب منصور العلج يشكل شاهد من الحجر على تاريخ البشر
يكفي أن نتأمل باب منصور بمكناس لفهم حجم المساهمة التي قدمها بعض العلوج في العمارة المغربية.
فهذا الباب، الذي يعد من أجمل أبواب العالم الإسلامي، ارتبط اسمه بمعمار علج خدم السلطان المولى إسماعيل. وهنا تبدو إحدى مفارقات التاريخ الجميلة: رجل أوروبي الأصل، ربما جاء أسيراً أو مهاجراً أو مغامراً، يترك بصمة معمارية أصبحت جزءاً من الهوية البصرية للمغرب.
لقد تحولت خبرته التقنية إلى جزء من التراث الوطني المغربي.
وماذا عن دور الأطباء والمهندسون والحرفيون العلوج؟
غالباً ما يركز المؤرخون على الدور العسكري للعلوج، لكن مساهماتهم تجاوزت ذلك بكثير.
فقد اشتغل بعضهم في مجال الطب والجراحة، حيث كانت أوروبا تعرف تطورات مهمة في بعض التقنيات العلاجية. كما برع آخرون في رسم الخرائط والملاحة البحرية وصناعة الساعات والأسلحة
وكان من بينهم
* أطباء.
* جراحون.
* مهندسون معماريون.
* خبراء تحصينات.
* نجارون مهرة.
* بناؤون ونحاتو حجر.
* مترجمون ودبلوماسيون
وقد أسهم هؤلاء جميعاً في نقل جزء من المعارف التقنية الأوروبية إلى المغرب، في وقت كانت فيه الدولة المغربية تسعى إلى تعزيز قوتها واستقلالها
لماذا احتاج المغرب إلى العلوج؟
لم يكن اعتماد السلاطين المغاربة على هؤلاء الأشخاص مجرد صدفة، بل كان اختياراً عملياً فرضته متطلبات الدولة.
فقد امتلك العلوج ثلاث مزايا رئيسية:
أولاً: خبرة تقنية متقدمة في مجالات المدفعية والهندسة وصناعة السفن.
ثانياً: ولاءً شخصياً للسلطان، بعيداً عن الصراعات القبلية والمحلية.
ثالثاً: قدرة على نقل المعرفة والخبرة من أوروبا إلى المغرب.
ولهذا تحول بعضهم إلى مستشارين ومقربين من البلاط السلطاني، بينما تولى آخرون مسؤوليات تقنية وإدارية مهمةانها اذن ثلاثة قرون من التفاعل المغربي البرتغالي وبالتالي يصعب فهم ظاهرة العلوج دون استحضار عمق العلاقات المغربية البرتغالية.
فمنذ احتلال سبتة سنة 1415 وحتى خروج البرتغاليين من مازاغان سنة 1769، استمرت بين البلدين علاقات معقدة امتزج فيها الصراع بالتجارة والهجرة والتبادل الثقافي.
وخلال هذه القرون الطويلة انتقل آلاف الأشخاص بين الضفتين: أسرى وجنود وبحارة وتجار ومترجمون ومهندسون وحرفيون.
ولهذا فإن تاريخ المغرب والبرتغال ليس تاريخ مواجهة فقط، بل هو أيضاً تاريخ تعاون وتأثير متبادل.
أما في الهنا والان. فمن البرتغاليين في جيش السعديين إلى البرتغاليين في كرة القدم المغربية وإذا انتقلنا إلى الزمن المعاصر، فإننا نجد صورة مختلفة لكنها تحمل في عمقها شيئاً من ذلك التاريخ القديم.
فاليوم لا يأتي البرتغاليون إلى المغرب كأسرى أو مرتزقة أو بناة قلاع، بل كخبراء ومدربين وأطر تقنية يساهمون في تطوير الرياضة المغربية.
ويبرز في هذا السياق اسم جواو ساكرامينتو، مساعد مدرب المنتخب الوطني المغربي، والذي يمثل نموذجاً حديثاً للتعاون المغربي البرتغالي.
فالرجل جاء بخبرته الأوروبية ومعرفته التكتيكية إلى مشروع رياضي مغربي طموح يسعى إلى ترسيخ مكانة المغرب ضمن كبار المنتخبات العالمية.
ورغم اختلاف الأزمنة والظروف، فإن المشهد يحمل دلالة رمزية لافتة: فكما استفاد السلاطين السعديون والعلويون من خبرات البرتغاليين في الهندسة والمدفعية والبناء، يستفيد المغرب اليوم من خبرات برتغالية في مجالات التدريب الرياضي والتأطير التقني.
لقد تغيرت الأدوات، لكن فكرة تبادل المعرفة بقيت حية.
إن تاريخ العلوج ليس مجرد هامش في تاريخ المغرب، بل هو جزء من قصة بناء الدولة المغربية الحديثة في عصورها المختلفة. فقد ساهم هؤلاء القادمون من أوروبا، وخاصة البرتغاليين، في الجيش والعمران والهندسة والطب والصناعة والإدارة.
وبين باب منصور العلج في مكناس وجواو ساكرامينتو في دكة المنتخب الوطني المغربي مسافة زمنية تمتد لقرون عديدة، لكنها تكشف حقيقة واحدة: أن المغرب كان دائماً قادراً على استيعاب الكفاءات الأجنبية وتطويعها لخدمة مشاريعه الكبرى، وأن التبادل بين الشعوب لا يصنعه السلاح وحده، بل تصنعه أيضاً المعرفة والخبرة والعمل المشترك.
وهكذا يصبح تاريخ العلوج أكثر من مجرد قصة أسرى أو مهاجرين؛ إنه فصل من فصول التاريخ المتوسطي المشترك، حيث تتقاطع مصائر البشر وتتجاوز الهويات الضيقة لتترك آثاراً باقية في الحجر والعلم والعمران، بل وحتى في ملاعب كرة القدم المعاصرة.
الحسين بوالزيت
صحافي وباحث في التاريخ
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



