
“المطرود من رحمة الله” أو خرافة هشام العسري..متانة فكرية وجاذبية نقدية
- أكادير اليوم – محمد بكريم//
استهلال: فيلم جديد…سينما جديدة؟
المكان غاص بأجيال مختلفة من الساكنة مع غلبة الفئات العمرية الشابة والنسائية: مجتمع حيوي؟ انه الفضاء السينمائي الجديد “باطي” مركب متكامل مندمج مع أحد مراكز التسوق بالمدينة…حركية كبيرة تنشط المجال. عندما اخبرت سائق الأجرة ونحن في الطريق (لم اعد أتحمل السياقة في هذه المدينة) بأنني ذاهب لمشاهدة فيلم في هذا الموقع المحصن كأنه قلعة، قال لي وهو شبه متأكد. “اه، باغي تشوف جوج رواح، فيلم محيح” . قلت له “لا، هناك فيلم جديد لهشام العسري”…وعندما شرعت في تقديمه قال لي بلهجة بيضاوية ” كنعرفو…مخرج واعر”.
هكذا يبدأ الفيلم الجديد لهشام العسري مساره العمومي بتعديل اصورة واقعنا السينمائي التي كادت أن تكون أحادية الجانب: إنه يضيف تنوعا متميزا داخل مشهد سينمائي يفتقر أكثر في أكثر لعنصر حيويته واقصد التعدد. (يشير الفيلم الى طغيان جنس ادبي استهلاكي في مشهد بليغ يجمع بين صاحبة دار النشر والكاتب بطل الفيلم).
محققا بذلك مشروعيته الأولى بانتصاره لغِنى وتنوع السينما المغربية. وهي إضافة مبدعة. أكبر من رقم إضافي في احصائيات السينما.
نعم إضافة نوعية بالنظر أيضا لمسار المخرج حيث اطرح فرضية مباشرة بعد مشاهدتي الأولى ألخصها بالقول: هو فيلم جديد في مسار المخرج وبملامح سينما جديدة (بالمقارنة مع أفلامه السابقة. نعم نحضر هنا تجديد في اللغة (يقدم الفيلم “كخرافة”) وفي التركيب وفي استدعاء فضاءات جديدة
لسنا بصدد قطيعة على مستوى اسلوبه بل تجديد في التفرد المميز لمشروعه السينمائي. وهكذا أقول بانه في أفلامه السابقة ينتقل بالمشاهد اليقظ من المحلي (شخوص ومرجعيات مصنفة ثقافيا محليا) الى الكوني (مأساة الانسان في المجتمعات المدينية العنيفة).
في فيلمه الجديد ينتقل من “الكوني” (مرجعيات ثقافية، سياسية، فنية بصرية إسلامية عامة وعالمية) وذلك بتوظيف درامي لقصة ملأت الدنيا وشغلت الناس (الفتوى الشهيرة ضد كاتب لا يقل شهرة) الى “المحلي” (الزوجة المغربية، احالات الى الفريق الوطني لكرو القدم) …
ينطلق من حدث تاريخي لنسج بنية القصة لتخضع في اخر المطاف لإعادة كتابة جذرية، حيث ينتصر الخيال على الواقع من أجل متعة السرد.
وأود أن اشير أن هناك ثلاث بُؤر للعلامات مُحفزة لاشتغال ذكاء المتلقي:
– الثقب في الحائط المنزلي وبالضبط حيث يشتغل الكاتب بإيحاءاته الى عضو من جسد المرأة (المهبل) بالإضافة الى احالته التشكيلية للوحة الشهيرة “أصل العالم” للرسام كوربي
– القنطرة الآيلة للسقوط والتي تحيل الى استحالة الانتقال أو الربط
– القناع الملازم للشخصية الرئيسية والذي يتحول الى العين التي ترى
وفي خلاصة أولية نحن بصدد كوميدية (سوداء؟) ذكية تشكل لحظة ابتعاد عن طغيان “الحدثية” المباشرة التي تأثث اليومي وتسمع بتجدد الرؤية لمواجهة الثلوث الشامل.
سينيفيليا لم اتردد في استحضار شيء من طرانتينو (وقد سبق أن تم الحديث عن هشام العسري كطرانتينو المغرب) وفيلمه عن الحرب العالمية الثانية والاغتيال السينمائي للقائد النازي حيث يُسمى هذا النوع “التاريخ البديل” (Uchronia).
هشام العسري يأخذ واقعة الفتوى الشهيرة (1989، لكنه لا يوثقها، بل يستعملها كخلفية لقصة خيالية تماماً، محولاً الواقع التراجيدي إلى مادة للسخرية السوداء. كخرافة كما جاء في جنيريك الفيلم. حوّلت هذا الصراع إلى “هزل سينمائي” (Farce) يفرغ الحدث من قدسيته ومن رهبة، ويجعله مجرد حكاية سينمائية للاستمتاع والتفكير. مستندا الى ما يشكل “توقيعه” وبصمته في خريطتنا السينمائية (المهددة بالتنميط) أي لغة بصرية حادة: كادرات غير مألوفة، وتوظيف للممثلين خارج المألوف وألوان مشبعة تعزز الشعور بالهذيان.
شيء من لوركا وليو فيري
في عالمٍ مهووسٍ بالصور ‘المصقولة’ (Lisse) والجماليات الجاهزة للاستهلاك، تأتي السينما لتكسر هذا التكرار؛ فهي لا تسعى لإرضاء العين، بل لتكون ضرورةً وجودية. إنها كاميرا تقتفي أثر الظل، تماماً كما استنطق لوركا ‘الدويندي’ في قصائده حول رقصة الفلامنكو…،
وكما يفعل هشام العسري في فيلمه ‘المطرود من رحمة الله’؛ حيث تتحول الشاشة إلى مساحة لاحتضان الظلال، لا لرصد الواقع الملموس، بل لتجسيد أعماق الروح وتعقيداتها في أبهى تجلياتها البصرية. إن الفن (لوركا/العسري) هو “المقاومة” الوحيدة ضد هذا العالم “الأملس”، لأنه يجرنا إلى حيث لا يريدون أن ننظر: إلى ظلالنا.
في هذا الفيلم الذي تدور أحداثه – حسب جنيريك الفيلم – بفرنسا عام 1993، يصور هشام العسري كاتباً يعاني من ازمة الالهام ومن ضغط مديرة النشر يفكر في “فتوى” وفدية مالية. وإحدى مداخل الفيلم تحيل، في الصيغة الفرنسية، الى أغنية «ليو فيري” (Ferré- Thank you Satan) التي ظهرت في بداية ستينات القرن الماضي وتم منعها في فرنسا.
تحضر كمدخل لكونها ليس مجرد إشارة لعنوان الفيلم، بل تعمل كأمثولة (parabole) تعكس حالة البطل. كأمثولة للإقصاء، كملاذ “المحرمات”: تماماً كما يشكر “فيري” الشيطان لكونه حليفاً للمهمشين والمحكوم عليهم، يبدو أن فيلم السري يضع بطله في مأزق لا يجد مخرجاً منه إلا عبر شخصية من “الظل” (الفوضى، المكر، أو التمرد).
وهي أمثولة في هجاء السلطة بمفهومها الواسع (سلطة دور النشر مثلا). يستخدم العسري الفكاهة اللاذعة لانتقاد الظلامية والضغوط الاجتماعية التي تثقل كاهل الإبداع الفني.
وسينمائيا تحضر هذه الإشارة الثقافية كمرآة لحكاية داخل حكاية، “ميز إن أبيم” (Mise en abyme) جمالية. يُعرف هشام العسري بأسلوبه البصري المتشظي ونزوعه نحو جماليات “البانك” التحررية.
ومن خلال اختيار هذا العنوان لفيلمه، فإنه يخلق انعكاساً ثقافياً متعدداً مع الإحالة الى استمرار المنع والرقابة: تعرض “فيري” للمنع بسبب هذه الأغنية؛ بينما يصور العسري كاتباً يرزح تحت وطأة حكم بالإعدام (الفتوى). وبذلك يصبح الفيلم تأملاً في قضايا حرية التعبير عبر حقبتين مختلفتين.
الخرافة السينمائية بين هشام العسري وجاك رانسيير
في مقاربة أخرى يمكن التوقف عند المقترح السينمائي الجديد للمخرج هشام العسري في فيلمه، للتنقيب في ثناياه من خلال مفهوم “الحكاية/الخرافة السينمائية” (La Fable cinématographique) للفيلسوف جاك رانسيير.
يُقدم العسري فيلمه بوصفه “خرافة”، متمحورة حول كاتب مأزوم يطارد سراب الإلهام والمال. في مفارقة ساخرة، يسعى البطل للخروج من أزمته عبر “تبني” الفتوى الشهيرة ضد كاتب لا يقل شهرة؛ فهو يكتب رواية عما يحدث، وبشكل موازٍ، يستعد لتنفيذ الفتوى بنفسه طمعاً في المكافأة. تبلغ الهزلية ذروتها حين يحاول “اعتناق الإسلام” رسمياً، في مشهد سريالي داخل المسجد، يؤدي فيه المخرج هشام عيوش دور “إمام كفيف”.
هنا خطاطة لمشروع قراءة انطلاقا من بعض مفاهيم المتفكر الفرنسي، جاك رانسيير (من مواليد 1940):
– مفهوم الحكاية المعطلة وسخرية الموقف: كيف تتحول “الخرافة” عند العسري من مجرد سرد إلى “مهزلة” (Farce) سوداء؛ حيث يختلط التخطيط للجريمة بالرغبة في الكتابة، وتصطدم الغاية المادية بالهلوسات البصرية.
– المقدس والمدنس في “المسجد”: تحليل مشهد “الإمام الكفيف” (هشام عيوش) وتوظيف الشخصيات السينمائية في أدوار غير متوقعة، مما يعزز فكرة رانسيير عن “توزيع المحسوس” وكسر التراتبيات التقليدية.
– بين ليو فيري وكوربيه: تحليل الدلالات العميقة للإحالات الفنية، من عنوان الفيلم المستوحى من أغنية ليو فيري، إلى التوظيف البصري لـ “أصل العالم” (لوحة كوربيه) التي تتجسد في “فجوة الجدار”، محولةً الهلوسة إلى عودة رمزية لرحم الأم.
– جماليات التفكيك: كيف يتجاوز العسري الواقعية الاجتماعية نحو “خرافة” تعيد ترتيب المرئي، حيث يتجاور المقدس والمدنس، والسياسي والعبثي، في إطار بصري لا يعطي إجابات بل يطرح تساؤلات حارقة.
-تداخل الواقع بالخيال: كيف يبني العسري فيلماً “يفكر” في عملية الخلق الأدبي والسياسي، محولاً رحلة الكاتب إلى “تيه” بصري يمزق الحدود بين ما يكتبه وما يعيشه (عودة مشهد القنطرة وما يحيل اليه من استعارة).
مفهوم – المشاهد (المنعتق) المتحرر: طرح جديد في دور المشاهد الذي يجد نفسه أمام “شذرات” سينمائية ترفض التلقي السلبي وتدعوه لتركيب “خرافته” الخاصة.
خلاصة مؤقتة: “المطرود من رحمة الله” ليس مجرد فيلم، بل هو تجربة لتفكيك السينما من الداخل، حيث تصبح الصورة هي البطل الحقيقي الذي يبتلع الكاتب وكتاباته (مشهد الانفجار الختامي).
الميتاسينما في فيلم “المطرود من رحمة الله”: السينما في خدمة “الخرافة”
يسمح الفيلم الجديد لهشام العسري بتمرين نقدي متطور لكونه عمل “مفتوح” وقابل لتعدد القراءات. مما يذكرني بمقولة بارث بأن هناك نوعان من الكتابة النقدية: “النقد الميل – فوي” (نسبة الى الحلوى الفرنسية الشهيرة) أي نقد يتعامل مع العمل كتركيبة من الطبقات تغذي المعنى المتجدد، في مقابل “النقد المشمش” الذي يبحث في العمل الإبداعي عن نواة – معنى” نهائية.
ومن طبقات القراءة التي يسمح بها قبس العلامات القادمة من الفيلم ما يندرج ضمن “الميتاسينما” (السينما داخل السينما)، وذلك يتجلى في مشاركة مخرجين (هشام عيوش ومحسن البصري) في تمثيل أدوار داخل “خرافة” مخرج ثالث (هشام العسري). مما يزكي فرضية مقاربة الفيلم انطلاقا من مفاهيم الفيلسوف جاك رانسيير حيث يندرج هذا الحضور السينمائي داخل الفيلم ضمن عملية “توزيع للمحسوس” التي يتحدث عنها الفيلسوف الفرنسي. تجعل الوسط السينمائي المغربي يعيد تمثيل نفسه داخل فضاء ابداعي حافل بالأسئلة.
فهناك حضور المخرج محسن البصري كـ “يد يسرى” للإمام الكفيف (من أداء هشام عيوش) وهو ليس مجرد مصادفة، بل هو إحالة ذكية من العسري. فنحن هنا أمام تداخل الأدوار. عند جاك رانسيير، الفن يكسر التخصصات. هنا، المخرج (البصري) الذي يُفترض أنه “يُبصر” وينظم الصور، يوضع في خدمة “إمام كفيف”. هذا التبادل في الأدوار (مخرج في دور مساعد، ومخرج في دور إمام) يجعل الفيلم يتحول إلى “لعبة سينمائية” تعترف بذاتها (لعبة المرآة).
والتسمية عميقة الدلالة تبدأ من المفارقة في اسم “البصري” (الذي يوحي بالبصر) وهو يقود إماماً ضريراً، تعزز سخرية العسري من ثنائية الظاهر والباطن، وتضيف لمسة “طارانتينية”، التي تحدثنا عنها في تدوينة سابقة، حيث تلتقي النخبة الثقافية/السينمائية في أدوار هامشية وعبثية.
ويكتمل مثلث ‘الميتاسينما’ في هذا العمل بحضور هشام العسري شخصيا: ثلاثة مخرجين مغاربة يعيدون صياغة أدوارهم خلف وأمام الكاميرا؛ فبينما يؤدي هشام عيوش دور الإمام، ومحسن البصري دور مساعده، يختار هشام العسري (مخرج الفيلم) أن يجسد دور الكاتب “المستهدف بالفتوى”. هذا الوجود الجسدي للمخرج داخل ‘خرافته’ يقلب موازين الحكاية؛ “فالعسري-الكاتب” يسكن في نفس الفندق الذي يعمل فيه “الكاتب الفاشل”(البطل)، ليتحول الفندق إلى ساحة لصراع الهويات بين ‘الأصل’ (الكاتب المُهدد) و’النسخة’ (المبدع الانتهازي).
إنه “توزيع للمحسوس” يضع المبدع المغربي في مواجهة مباشرة مع مخاوفه، محولاً الفيلم إلى مرآة مهشمة تعكس مأزق مقاربة معينة للإبداع وللعلاقة الملتبسة بين المقدس والمدنس وبين الفن والتلقي المجتمعي (ما عكسته بعد ردود الفعل المتسرعة إزاء الفيلم)
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



