الثقافة

رحيل إدغار موران صديق المغرب، وفيلسوف التعقيد الذي أعاد صياغة فهمنا للعالم..

يُعد إدغار موران واحدا من أبرز المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. ولد في باريس سنة 1921 باسم إدغار نعوم، وعاش تجربة إنسانية وفكرية غنية تأثرت بالحرب العالمية الثانية، إذ انخرط في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، ثم تبنى اسم “موران” الذي اشتهر به لاحقا. كما انتمى إلى الحزب الشيوعي الفرنسي قبل أن يبتعد عنه بسبب انتقاده للستالينية والنزعات العقائدية المغلقة.

تميز موران بمسار فكري استثنائي، إذ رفض التخصص الضيق والحدود الصارمة بين العلوم. فقد اشتغل بالسوسيولوجيا والفلسفة والأنثروبولوجيا والإعلام والبيئة والسياسة، وسعى إلى بناء رؤية شاملة للإنسان والعالم. ومن أهم أعماله مشروعه الضخم “المنهج” (La Méthode) الذي صدر في عدة أجزاء بين 1977 و2004، ويُعد خلاصة فكره حول المعرفة والتعقيد.

تقوم فلسفة موران على مفهوم “الفكر المركب” أو “التفكير المعقد”، وهو مفهوم يدعو إلى تجاوز النظرة الاختزالية التي تفصل بين الظواهر وتُجزِّئ الواقع إلى عناصر معزولة. ويرى أن العالم عبارة عن شبكة مترابطة من العلاقات والتفاعلات، وأن فهم أي ظاهرة يقتضي ربطها بسياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي والبيئي. فالمعرفة الحقيقية، في نظره، لا تقوم على التبسيط المفرط، بل على إدراك الترابط بين النظام والفوضى، وبين اليقين واللايقين، وبين الفرد والمجتمع.

ومن الأفكار المركزية لدى “موران” أن الأزمات المعاصرة، مثل الأزمات البيئية والسياسية والتكنولوجية، لا يمكن فهمها أو حلها من خلال تخصص علمي واحد، بل تتطلب مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين العلوم الطبيعية والإنسانية. لذلك كان من أبرز المدافعين عن إصلاح التعليم بحيث يُعلِّم الإنسان التفكير في التعقيد والترابط بدل الحفظ والتجزئة.

كما دعا موران إلى إنسانية جديدة تقوم على التضامن والوعي بالمصير المشترك للبشرية، خاصة في عصر العولمة والتغيرات المناخية والثورات الرقمية. وقد ظل طوال حياته يدافع عن قيم الحوار والتسامح والنقد الذاتي، ويرفض كل أشكال التعصب الفكري أو السياسي.

ويُنظر إلى إدغار موران اليوم باعتباره فيلسوف التعقيد بامتياز، إذ ترك إرثا فكريا يدعو إلى فهم العالم بوصفه كلا مترابطا لا يمكن اختزاله في تفسيرات بسيطة. وقد أثرت أفكاره في مجالات التربية والعلوم الاجتماعية والسياسات العامة ودراسات البيئة، ولا تزال مرجعا أساسيا لكل من يسعى إلى فهم التحديات المركبة التي تواجه الإنسان المعاصر.

دفاع موران عن قيم الحوار والتسامح، تجسدت في علاقته بالمغرب حيث كان يحمل تقديرا كبيرا لهذا البلد، بل إن علاقته بالمملكة لم تكن مجرد علاقة عابرة، وإنما علاقة إنسانية وثقافية عميقة امتدت لسنوات طويلة. فقد كان يقضي جزءا من السنة في مدينة مراكش، حيث عاش مع زوجته المغربية، وكان يعتبر المغرب فضاء مميزاً للتأمل والحياة.

وقد عبّر موران في أكثر من مناسبة عن إعجابه بالمغرب، معتبرا أنه نجح في الانفتاح على العولمة مع الحفاظ على هويته الثقافية وتقاليده. كما تحدث عن روابط الصداقة التي جمعته بمثقفين وفنانين وشخصيات مغربية من مجالات مختلفة، وأشاد بالتنوع الثقافي المغربي وقدرته على التوفيق بين الأصالة والتحديث.

وفي إحدى لقاءاته بالمغرب، أكد أن قيم الحوار والتعايش والانفتاح الثقافي التي لمسها في المجتمع المغربي تنسجم مع رؤيته الإنسانية القائمة على “الفكر المركب” وفهم الآخر. كما شارك في ندوات فكرية وثقافية بالمغرب، وظل حاضرا في عدد من المبادرات الأكاديمية والثقافية المرتبطة بالبلاد.

لذلك فإن وصفه بـ”صديق المغرب” لم يكن مجرد تعبير إعلامي، بل يعكس بالفعل علاقة وجدانية وفكرية خاصة جمعته بالمغرب وشعبه، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة من حياته.

جدير بالذكر أن وسائل إعلام دولية عديدة أفادت بوفاة إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام، بعد مسيرة فكرية امتدت لأكثر من ثمانية عقود، تاركا وراءه أحد أهم المشاريع الفكرية الإنسانية في العصر الحديث.

سعيد الغماز-كاتب وباحث

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى