الرأيالمجتمع

أكادير تُراهن على الفن والسلام… لكن هل يواكب الدعم طموح الملتقيات الدولية؟

في وقت تواصل فيه مدينة أكادير ترسيخ مكانتها كعاصمة للثقافة الأمازيغية وواجهة سياحية منفتحة على العالم، يأتي تنظيم الدورة الخامسة عشرة لملتقى السلام الدولي للفنون التشكيلية ليؤكد أن المدينة لم تعد فقط وجهة للشمس والبحر، بل أصبحت أيضًا فضاءً للإبداع والحوار الثقافي والفني.

هذا الملتقى، الذي اختار شعار “التراث الأمازيغي المغربي بعيون دولية”، يحمل أكثر من مجرد بعد فني، بل يعكس رسالة حضارية قوية مفادها أن الفن قادر على صناعة السلام والتقارب بين الشعوب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفن يستلهم عمقه من الهوية الأمازيغية المغربية، بكل ما تحمله من رموز وتاريخ وإنسانية.

إن احتضان أكادير لمثل هذه التظاهرات الدولية ليس أمرًا عابرًا، بل يدخل ضمن التحولات الثقافية الكبرى التي تعرفها المدينة في السنوات الأخيرة، سواء من خلال مشاريع إعادة التأهيل الحضري، أو تنشيط الفضاءات الثقافية، أو دعم المهرجانات والملتقيات الفنية. وهي دينامية تجعل من أكادير مدينة مؤهلة لتكون قطبًا ثقافيًا دوليًا إلى جانب مكانتها السياحية المعروفة.

غير أن النجاح الحقيقي لأي ملتقى فني لا يقاس فقط بعدد الضيوف أو اللوحات المعروضة، بل بمدى قدرته على خلق أثر ثقافي دائم داخل المدينة. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يحظى الفن التشكيلي الأمازيغي فعلًا بالمكانة التي يستحقها داخل السياسات الثقافية المحلية؟

فرغم الغنى البصري والرمزي الذي يميز هذا الفن، ما يزال الفنانون التشكيليون، خاصة الشباب منهم، يواجهون تحديات مرتبطة بقلة فضاءات العرض، وضعف الدعم، وغياب مواكبة حقيقية للمواهب المحلية. كما أن العديد من المبادرات الفنية تعتمد في كثير من الأحيان على مجهودات ذاتية أو دعم محدود، رغم أنها تساهم بشكل مباشر في الترويج لصورة أكادير دوليًا.

إن الفن التشكيلي الأمازيغي ليس مجرد لوحات وألوان، بل هو جزء من الذاكرة الجماعية والهوية المغربية المتعددة الروافد. لذلك، فإن دعم هذا المجال يجب أن يتحول من مبادرات موسمية إلى رؤية ثقافية استراتيجية، تنخرط فيها المؤسسات المنتخبة والفاعلون الاقتصاديون والقطاع الخاص، خاصة وأن الثقافة أصبحت اليوم رافعة للتنمية والسياحة والاستثمار.

كما أن حضور المملكة المتحدة كضيف شرف في هذه الدورة يعكس البعد الدولي الذي باتت تكتسبه التظاهرات الفنية بأكادير، وهو معطى ينبغي استثماره لخلق جسور تعاون ثقافي وفني مستدام، وتشجيع التبادل بين الفنانين المغاربة ونظرائهم الأجانب.

إن مدينة أكادير اليوم أمام فرصة حقيقية لتكريس نفسها كمدينة للسلام والفن والثقافة الأمازيغية، لكن هذا الرهان لن ينجح إلا إذا تمت مواكبة هذه الملتقيات بدعم فعلي ومستمر، يحفظ للفن التشكيلي مكانته كقوة ناعمة تعكس روح المغرب وتنوعه الحضاري.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى