المجتمع

من سوس الى تامسنا والغرب: رحلة سوسي…بداية الرحلة: من ماسة إلى الرباط

حين غادرتُ “تمازيرت” في سهل قبل سنوات، حاملاً أمل عائلتي وبعد سنوات من التحصيل العلمي في جامعة ابن زهر، لم أكن أعي أنني لن أكتسب فقط شهادة أكاديميو عليا في علم التاريخ، بل سأصبح فجأة جزءًا من ظاهرة لطالما درستها نظريًا: “الهجرة السوسية الداخلية”. كنت أظنني مسافرًا إلى الرباط وحسب، لكنني اكتشفت أنني أسافر فعليًا بين عالمين يفصلهما أقل من سبعمئة كيلومتر، وقرون من التحولات الثقافية.

الرباط، العاصمة الإدارية الهادئة بجلالها المخزني، لم تكن مجرد محطة لاستكمال دراستي في جامعة محمد الخامس. كانت مرآة صادمة: في ممرات الكلية وباحاتها، في المقاهي التي تلتف حول شارع محمد الخامس، في أسواق العكاري ويعقوب المنصور وحتى في مصاعد العمارات الزجاجية التي تطل على شوراع حي الرياض وأكَدال وغيره، كنت ألتقي يوميًا بـ”أبناء سوس” وكنت أتعرف عليهم من سحناتهم ولكنتهم الدارجة الجميلة.

المفارقة الأولى التي صدمتني: في مدينة يتحدث فيها الجميع عن “سطوة التجار السوسيين” و”عصابات السوسيين” و”لوبي سوس”، كنت أبحث عن هذا النوع من السوسيين فلا أجده.

جلست ذات مساء في مقهى شهير في شارع محمد الخامس، واسترسلت في الحديث مع شاب يرتدي بذلة أنيقة ويحمل هاتفًا ثمينًا ويتحدث الفرنسية بطلاقة. اكتشفت لاحقًا أنه ابن تاجر جملة من إنزكان، يدير واحدة من أكبر وكالات الأسفار في المغرب. لكنه لم يُبدِ أي علامة على أنه سوسي إلا حين نادى النادل: أشكيد أ…. – صرخة أمازيغية خاطفة كأنها سألته: “هل تتحدث تامازيغت -تشلحيت- مع أولادك؟ أجابني: سوس في قلبي، لكن باريس في حقيبتي.” نهض وأسرع في المشي على طريقة أبودرارن…. وبقيت انا في مكاني أتأمل في رسالته السريعة تلك….

كنت أتجول في أسواق العاصمة – باب الحد، المركز التجاري للمدينة العتيقة – وأنا أراقب المتاجر والمستودعات. بفضل اطلاعي على كتب الأنثروبولوجيا الاقتصادية، والتاريخ بحكم تخصصي وبفعل المهارات التي اكتسبتها في قاعات الدرس في جامعة محمد الخامس اكدال، بدأت أشاهد ظاهرة لافتة: كل أسبوع تقريبًا، كان يظهر إعلان “للبيع” أو “للكراء” على متجر أو مستودع، مالكه السابق كان تاجرا سوسيا انتقل إلى مهنة أخرى، أو سافر إلى الخارج، أو صعد سلمه التجاري فاستغنى عن هذا المحل “الصغير” ليتجه إلى قطاع العقار أو الاستيراد المباشر.

ومع كل إعلان، شعرت بامتلاء وفراغ في الوقت نفسه: امتلك السوسيون فضاءات التجارة في المدن، وفتحوها، وأنعشوها، ثم انتقلوا منها، تاركين خلفهم جدرانًا فارغة وذاكرة مؤسسية هشة. تذكرت مقولة لشيخ سوسي كان صديقا لي”السوسي يبني سوقًا ثم يغادرها ليبدأ سوقًا جديدة. لا يرتبط بالأرض، بل يرتبط بالحركة.”
تأملت مدينة الرباط كاملة: كيف أن حي أكدال، وحي، الفتح، ويعقوب المنصور وديور الجامع، اليوسفية وحي الليمون، العكاري وغيرها، تحولت معالمها التجارية بفعل السوسيين. ثم انتقلت إلى سلا، فوجدت نفس المشهد يتكرر. ثم تطوان، وطنجة، والدار البيضاء. ثم وجدت نفسي أفكر في مدن لم أخرى أحواز مراكش ودكالة وعبدة.

لكن أين هم بالضبط؟ وأين يوجد أولئك السوسيون الذي يتحدث عنهم ويصفون بتلك النعوث؟، وفي نفس الوقت كنت أتساءل هل سيحافظون على شخصيتهم السوسية؟ أم لا؟

قارنت بين منزلنا القديم في سوس، حيث تدور الأحاديث بتامازيغت تعبير “بتشلحيت” حتى في المنام، وحيث يعرف الجيران أبناء بعضهم منذ الولادة، ويعرفون أي “أفوس” ينتمي اليه في القبيلة. وبين تلك الشقق الرباطية المعقمة، حيث يجاور الرجل جاره لعشر سنوات دون أن يعرف اسمه الصحيح، ناهيك عن أصله.

في سوس، كنا نتباهى بلغتنا وبالكسكس والطنجية وبأمجاد “الفرسان ” و”الروايس وببطولات قصصنا الموروثة”. في الرباط، وجدت السوسيين يخافون من أن “يفضحهم” صوتهم الأمازيغي أو بالأحرى لكنتهم المختلفة والوفية لقواعد اللغة الامازيغية.

وهنا استشرفت المستقبل وسألت نفسي سؤالاً وظل يراودني بعدها كل ليلة: هل نحن الذين نغير المدن؟ أم المدن هي التي تمسح هويتنا ببطء؟

على مدار سنة كاملة، بدأت رحلة استفسار ممنهجة: التقيت بعشرات من الطلاب والتجار والمدراء السوسيين في الرباط وسلا. سألتهم عن علاقتهم بسوس، وعن لغتهم الأمازيغية في تربية أبنائهم، وعن شعورهم بفقدان أو احتفاظ بالشخصية “الأصلية”. سألتهم أيضًا عن شعورهم بالفراغ الذي يتركونه خلفهم، وعن ردة فعل غير السوسيين تجاههم.

وهذا ما سأرويه في هذه السلسلة من المقالات: أوهام الاندماج، بقايا الهوية، ووجع الرجل السوسي الذي ترك جباله واجتهد في سوارع وأسواق المغرب

الحسين بوالزيت
صحافي وباحث في التاريخ

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى