الاقتصاد

الفائض المالي للجماعات الترابية… بين حكامة التدبير ومفارقة التنمية

  • محمد العسري //

أضحى تحقيق فائض مالي في ميزانيات الجماعات الترابية يُقدَّم في كثير من الأحيان باعتباره دليلاً على حسن التدبير، غير أن هذا التوصيف يحتاج إلى كثير من التحفظ. فالفائض، في حد ذاته، ليس مؤشراً على النجاح ولا على الفشل، بل تتحدد قيمته بمصدره. فإذا كان ناتجاً عن تحسين تعبئة الموارد الذاتية، والرفع من مردودية الجبايات، وترشيد النفقات، وتثمين الممتلكات الجماعية، فإنه يعكس حكامة مالية رشيدة. أما إذا كان نتيجة لضعف تنفيذ ميزانية التجهيز، أو تعثر المشاريع، أو بطء المساطر الإدارية، أو محدودية القدرات التدبيرية، فإنه يخفي اختلالاً في الأداء أكثر مما يعكس سلامة الوضع المالي.
إن وظيفة الجماعة الترابية ليست مراكمة الأرصدة، وإنما تحويل المال العام إلى قيمة عمومية. فلا يمكن اعتبار الأموال التي بقيت مجمدة في الحسابات إنجازاً، بينما تظل الطرق غير مهيأة، والمرافق العمومية غير مكتملة، والمشاريع المبرمجة مؤجلة. لذلك، فإن الاحتفاء بالفائض خارج سياقه قد يؤدي إلى قراءة مضللة للأداء المالي، لأن التنمية لا تُقاس بما تبقى من اعتمادات في نهاية السنة، بل بما تم إنجازه فعلياً لفائدة الساكنة. فالفائض الذي ينتج عن ضعف التنفيذ ليس سوى تنمية مؤجلة، يدفع المواطن كلفتها في صورة خدمات ناقصة وفرص ضائعة.
إن الرهان الحقيقي لم يعد هو تحقيق فائض مالي، بل تحقيق نجاعة مالية؛ أي القدرة على تعبئة الموارد وتوظيفها بكفاءة وفي الوقت المناسب. ولذلك، ينبغي أن ينتقل تقييم أداء الجماعات من التركيز على حجم الفائض إلى قياس نسب إنجاز المشاريع، وجودة الخدمات، والأثر التنموي للإنفاق العمومي. فالجماعة الناجحة ليست التي تنهي سنتها المالية بأرصدة مرتفعة، وإنما تلك التي تجعل من كل درهم من المال العام استثماراً في التنمية، ومن كل اعتماد مرصود مشروعاً منجزاً، ومن كل ميزانية وسيلة لتحسين جودة حياة المواطنين.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/