الجهة اليومالرأيصورة اليوم

في الحاجة إلى الوساطة الاجتماعية: الهجرة، التحولات المجالية، وبناء التعايش بإقليم اشتوكة آيت باها

  • د.خالد ألعيوض//

مقدمة

أفرزت التحولات الاقتصادية التي عرفها إقليم اشتوكة آيت باها، منذ بداية الثمانينيات، واقعًا اجتماعيًا جديدًا لم يكن متوقعًا عند انطلاق المشروع الفلاحي التصديري. فقد أدى النجاح الاقتصادي للقطاع الفلاحي إلى استقطاب موجات متتالية من الهجرة الداخلية، تلتها موجات من الهجرة القادمة من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، فتحول الإقليم تدريجيًا إلى فضاء متعدد الثقافات واللغات والهويات، وإلى مختبر اجتماعي يعكس رهانات الاندماج والتعايش داخل المجال القروي المغربي.

غير أن هذا التحول الديموغرافي لم تواكبه سياسات اجتماعية وعمرانية قادرة على استيعاب التغيرات المتسارعة، فظهرت تجمعات سكنية كبرى خارج وثائق التهيئة، تضم عشرات الآلاف من السكان، لكنها ما تزال تعاني خصاصًا كبيرًا في البنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية. وفي ظل هذا الواقع برزت أشكال جديدة من الهشاشة، رافقتها توترات اجتماعية متكررة، مما جعل الحاجة إلى الوساطة الاجتماعية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

الهجرة وإعادة تشكيل المجال

بدأت موجات الهجرة نحو اشتوكة آيت باها مع العاملات والعمال الزراعيين القادمين من قرى عانت الفقر والجفاف وندرة الموارد، حيث غادر كثير منهم مناطق لم تعد توفر حتى الحد الأدنى من شروط العيش الكريم. ومع توسع الضيعات الفلاحية، أصبحت المنطقة قطبًا لاستقبال اليد العاملة الوطنية.

وخلال العقدين الأخيرين، انضمت إلى هذه الدينامية موجات جديدة من المهاجرين القادمين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، الذين كانوا يعتبرون المغرب محطة عبور نحو أوروبا، قبل أن يجد كثير منهم أنفسهم يستقرون بالإقليم ويعملون في القطاع الفلاحي. وهكذا تحول الإقليم إلى فضاء يجمع بين الهجرة الداخلية والهجرة الدولية في آن واحد.

وقد نتج عن ذلك ميلاد تجمعات سكنية كبيرة تضم جنسيات متعددة وثقافات مختلفة، لكنها ظلت تعيش في ظروف تفتقر إلى النقل المنتظم، وشبكات التطهير السائل، والمرافق الثقافية والاجتماعية، مما جعلها مجالات هشة رغم مساهمتها الأساسية في إنتاج الثروة الفلاحية الوطنية.

من التوتر إلى بناء التعايش: تجربتا إكرام وتدارت

رغم هذه الإكراهات، فإن التجربة الميدانية تكشف أن المجتمع قادر على إنتاج آلياته الخاصة لضبط العلاقات الاجتماعية عندما تغيب المؤسسات.

فقد شكلت منطقة إكرام بآيت عميرة، منذ سنة 2016، أول تجربة فعلية لاستقرار أعداد كبيرة من المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تجاوز عددهم ثلاثة آلاف مهاجر. ومع تزايد أعدادهم، لم يظلوا مجرد أفراد متفرقين، بل أنشؤوا تنظيمات داخلية تقوم على انتخاب ممثلين عن كل جنسية، ثم تأسيس هيئة تنسيقية تضم ممثلي مختلف الجنسيات.

وقد اضطلعت هذه الهيئات بوظائف تتجاوز التمثيل، فأصبحت تؤمن التضامن الاجتماعي، وتدبر حالات المرض والولادة والوفاة، وتعتمد صندوقًا تضامنيًا يموله المنخرطون بمساهمات رمزية. والأهم من ذلك أنها تحولت إلى آلية فعالة للوساطة الاجتماعية، حيث تتدخل لحل النزاعات بين المجموعات المختلفة عبر الحوار والتفاوض.

ومن أبرز مظاهر نجاح هذه الوساطة إعادة تنظيم الأنشطة الرياضية؛ فبعد أن كانت مباريات كرة القدم بين الجنسيات تتحول إلى مواجهات عنيفة، تم اعتماد فرق مختلطة تضم لاعبين من مختلف الجنسيات، فتحولت الرياضة إلى وسيلة للتقارب بدل أن تكون سببًا للصراع.

أما تجربة تدارت بسيدي بيبي، التي بدأت تعرف استقرارًا للمهاجرين منذ سنة 2021، فقد استفادت من تجربة إكرام، لكنها تميزت بانفتاح أكبر على محيطها المحلي. فقد لعبت الجمعيات المحلية والفاعلون المدنيون دور الوسيط بين المهاجرين والسكان، وأسهموا في بناء علاقات تقوم على الحوار والثقة والتعاون. ورغم بعض التوترات التي عرفتها المنطقة، فإنها كانت تُحتوى بسرعة بفضل التنسيق بين ممثلي المهاجرين والسلطات والفاعلين المدنيين، وهو ما جعل تدارت نموذجًا واعدًا للتعايش.

أسئلة يفرضها الواقع

تثير هذه التجارب مجموعة من الأسئلة الجوهرية:

– لماذا استطاعت مبادرات مجتمعية بسيطة تحقيق نتائج في تدبير النزاعات، بينما تعجز أحيانًا المؤسسات الرسمية عن ذلك؟
– هل تكفي المقاربة الأمنية لمعالجة الاحتقان الاجتماعي، أم أن الوقاية عبر الوساطة الاجتماعية أكثر فعالية وأقل تكلفة؟
– كيف يمكن تحويل التنظيم الذاتي للمهاجرين إلى شريك في السياسات العمومية دون المساس بدور الدولة؟
– لماذا لا يتم استثمار التجارب المحلية الناجحة في صياغة نموذج وطني للوساطة الاجتماعية؟
– وهل يمكن لمركبات التنشئة الاجتماعية أن تصبح فضاءات دائمة للوقاية من العنف، وإدماج الأطفال والشباب، ومواكبة الأسر الهشة؟

خلاصات

تكشف تجربتا إكرام وتدارت أن التعايش ليس نتيجة تلقائية لتقاسم المجال، بل هو ثمرة بناء اجتماعي يقوم على الحوار والثقة والتنظيم الذاتي والوساطة. كما تؤكدان أن الهجرة ليست في حد ذاتها مصدرًا للتوتر، وإنما يصبح التوتر نتيجة لغياب التأطير، وضعف الخدمات، وانعدام قنوات التواصل بين مختلف الفاعلين.

وتبرز التجربتان كذلك أن المجتمع المحلي قادر على إنتاج حلول مبتكرة عندما يجد فضاءات للمشاركة، وأن الوساطة الاجتماعية ليست مجرد أداة لحل النزاعات، بل آلية لإنتاج الثقة، وتعزيز الانتماء، والوقاية من العنف، وبناء رأسمال اجتماعي يساهم في استقرار المجال.

توصيات

انطلاقًا من هذه النتائج، يمكن اقتراح ما يلي:

1. الاعتراف بالوساطة الاجتماعية باعتبارها مرفقًا عموميًا ضمن سياسات التنمية الترابية.
2. إحداث مركبات للتنشئة الاجتماعية والوساطة داخل التجمعات السكنية الكبرى بإقليم اشتوكة آيت باها.
3. تكوين وسطاء اجتماعيين من أبناء المنطقة ومن داخل المجموعات المهاجرة، بما يعزز الثقة والفعالية.
4. دعم التنظيمات الذاتية للمهاجرين وإشراكها في تدبير قضايا الاندماج والتعايش.
5. تطوير شراكات بين الجماعات الترابية والجمعيات والجامعات لإنتاج المعرفة حول التحولات الاجتماعية بالإقليم.
6. اعتماد الرياضة والثقافة والفنون فضاءات دائمة للحوار والتعارف بين مختلف المكونات السكانية.
7. إحداث مرصد جهوي للهجرة والوساطة الاجتماعية يتولى الرصد، وإنتاج المعطيات، واقتراح السياسات العمومية.

خاتمة

لقد تحولت اشتوكة آيت باها من مجال فلاحي منتج إلى فضاء اجتماعي شديد التعقيد، تتقاطع داخله رهانات الهجرة، والتنمية، والتعدد الثقافي، والاندماج. وتبين تجربتا إكرام وتدارت أن الاستثمار في الإنسان، وفي آليات الوساطة الاجتماعية، لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنيات الاقتصادية. فالمجتمع الذي ينجح في بناء جسور الحوار والثقة هو المجتمع الأكثر قدرة على تحويل التنوع إلى مصدر قوة، والهجرة إلى رافعة للتنمية، والتحديات إلى فرص لبناء مستقبل أكثر عدلًا وتماسكًا.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
slot gacor situs slot dentoto dentoto dentoto wdbandar slot88dentoto logindentoto akseshttps://lodz.ptn.pl/https://beatzmobil.christianstockert.de/https://oerrel-fw-historie.feuerwehr-munster.de/https://elektro.unmuhjember.ac.id/