
الهزيمة التي تؤسس للمستقبل… لماذا لا ينبغي أن نحاكم محمد وهبي؟
أكادير اليوم – تولد في كرة القدم، كما في السياسة والاقتصاد، لحظات تختلط فيها العاطفة بالحكم، ويصبح الانفعال أقوى من التحليل. وما إن أطلق حكم مباراة المغرب وفرنسا صافرة النهاية معلنا خروج المنتخب الوطني من ربع نهائي كأس العالم 2026، حتى انقسمت ردود الفعل بين خيبة مشروعة ورغبة لدى البعض في البحث عن مسؤول مباشر للهزيمة. وكان الاسم الأكثر تداولا هو المدرب محمد وهبي.
لكن هل من الإنصاف أن تختزل تسعون دقيقة مشروعا كرويا كاملا؟ وهل يصبح المدرب فجأة مسؤولا عن كل شيء بعد أن كان قبل أيام قليلة بطلا قاد المنتخب إلى دور الثمانية في واحدة من أقوى نسخ كأس العالم؟
من حق الجمهور أن يحزن، ومن حق الإعلام أن ينتقد، غير أن النقد الحقيقي لا يقوم على ردود الفعل الآنية، بل على قراءة موضوعية للسياق وللوقائع. فالمنتخب المغربي واجه أحد أقوى منتخبات البطولة، بترسانة من اللاعبين ذوي الخبرة العالمية، وفرض المنتخب الفرنسي منذ البداية ضغطا عاليا حد من قدرة “أسود الأطلس” على بناء اللعب والخروج المنظم بالكرة.
ولم يهرب محمد وهبي من مسؤوليته، بل قدم بعد المباراة تقييما اتسم بالصراحة. اعترف بمعاناة المنتخب في الشوط الأول، وأشاد بالدور الكبير الذي قام به ياسين بونو، كما تحدث عن الحاجة إلى تطوير دكة البدلاء وتوسيع قاعدة الاختيارات حتى لا تؤثر الإصابات والغيابات على أداء الفريق. وهي ملاحظات تعكس وعيا تقنيا أكثر مما تعكس محاولة لتبرير الإقصاء.
في المقابل، لا يعني ذلك أن أداء المنتخب أو اختيارات الطاقم التقني كانت فوق النقد. فالمباراة كشفت عن مجموعة من النقاط التي تستحق المراجعة؛ من بينها صعوبة التخلص من ضغط المنافس، وتراجع الفعالية الهجومية في بعض الفترات، وعدم وجود البدائل القادرة على تغيير إيقاع المباراة عند الحاجة. وهذه ليست مسؤولية مدرب وحده، بل نتيجة منظومة كاملة تبدأ من التكوين داخل الأندية والأكاديميات، وتمر عبر المنافسة المحلية، وتنتهي عند المنتخب الوطني.
لقد رفع المنتخب المغربي سقف طموحات جماهيره منذ الإنجاز التاريخي في مونديال 2022، ثم أكد في نسخة 2026 أن حضوره في الأدوار المتقدمة لم يعد صدفة. وهذا في حد ذاته تطور مهم، لكنه يفرض أيضا الانتقال إلى مرحلة جديدة، عنوانها بناء منتخب يمتلك الجودة نفسها في التشكيلة الأساسية وعلى دكة الاحتياط.
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه كرة القدم المغربية اليوم هو اتخاذ الهزيمة ذريعة لتغيير الاتجاه أو هدم ما تحقق. فالمنتخبات الكبرى لا تبنى بعد كل خسارة من الصفر، وإنما تتطور من خلال التقييم الهادئ، والاحتفاظ بما نجح، وتصحيح ما لم ينجح.
ولعل أهم درس يقدمه مونديال 2026 هو أن المغرب لم يعد يحتفل بمجرد المشاركة، بل أصبح يحزن لأنه خرج من ربع النهائي. وهذا التحول في مستوى الطموح هو في حد ذاته انتصار للمشروع الكروي الوطني، لأنه يعكس انتقال المغرب من موقع الباحث عن المفاجأة إلى موقع المنافس الدائم على الأدوار النهائية.
اليوم، يحتاج المنتخب الوطني إلى دعم عقلاني أكثر من حاجته إلى الأحكام المتسرعة. ويحتاج محمد وهبي وطاقمه إلى تقييم علمي لأدائهم، لا إلى محاكمة عاطفية تفرضها مرارة الإقصاء. فالمونديال انتهى، لكن الطريق نحو كأس إفريقيا، ثم كأس العالم 2030 على أرض المغرب، قد بدأ بالفعل.
إن الأمم الرياضية الكبرى لا تعرفها طريقة احتفالها بالانتصارات فقط، بل أيضا قدرتها على تحويل الهزائم إلى محطات للتعلم والتطور. وإذا نجح المغرب في استخلاص الدروس الصحيحة من هذه التجربة، فقد يكتشف بعد سنوات أن الهزيمة أمام فرنسا لم تكن نهاية حلم، بل بداية مرحلة أكثر نضجا في تاريخ كرة القدم المغربية.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



