
قراءة في كتاب “صحافة الشاشات.. العالم شاشة صغيرة” للدكتور محمد عبد الوهاب العلالي
- أكادير اليوم – الحسن باكريم //
“حين تصبح الشاشة صانعة
للواقع لا مجرد ناقلة له”
في زمن لم تعد فيه الشاشات مجرد وسائط لنقل الأخبار، بل تحولت إلى فضاءات لإنتاج المعنى وصناعة الرأي العام وتوجيه السلوك الفردي والجماعي، يأتي الإصدار الجديد للدكتور محمد عبد الوهاب العلالي، الموسوم “صحافة الشاشات.. العالم شاشة صغيرة”، ليقدم واحدة من المقاربات الأكثر راهنية في تحليل التحولات التي يشهدها الإعلام والاتصال في العصر الرقمي.
ويشكل هذا العمل امتداداً للمسار الأكاديمي للباحث في سوسيولوجيا الإعلام والتواصل السياسي، ويجمع بين التحليل النظري والخبرة الميدانية في قراءة مستقبل الصحافة ومهنة الإعلام.
منذ الصفحات الأولى، يعلن المؤلف أطروحته المركزية بوضوح: العالم لم يعد يُدرك كما هو، بل كما تعرضه الشاشات. فالواقع اليوم يمر عبر وساطة رقمية كثيفة، تجعل الحدود بين الحقيقة والتمثيل، وبين الخبر وصناعته، أكثر هشاشة من أي وقت مضى. لذلك لا ينظر العلالي إلى “صحافة الشاشات” باعتبارها تطوراً تقنياً للصحافة التقليدية، وإنما باعتبارها انتقالاً حضارياً يعيد صياغة العلاقة بين الإعلام والسياسة والمجتمع والثقافة.
وتكشف مقدمة الكتاب عن رؤية فكرية عميقة تعتبر أن وسائل الإعلام الجديدة لم تعد أدوات لنقل الوقائع فقط، بل أصبحت فاعلاً رئيسياً في إعادة تشكيل الوعي الجماعي وصناعة الأحداث نفسها. ومن هنا يرفض المؤلف القراءة الاختزالية التي تفسر التحولات الإعلامية بمنطق التكنولوجيا وحدها، مؤكداً أن فهم الإعلام الرقمي يقتضي استحضار أبعاده الاجتماعية والسياسية والثقافية.
ويعكس فهرس الكتاب هذا النفس الموسوعي؛ إذ يقارب المؤلف قضايا متشابكة تبدأ بتفسير الدور الاتصالي في ما سمي بـ”الربيع العربي”، مروراً بالعلاقة بين الإعلام والمشروع السياسي، ورهانات الوحدة المغاربية، والصناعات الإبداعية، وحرية تداول المعلومات، وأخلاقيات الممارسة الصحفية، ثم ينتقل إلى تحليل الصحافة الإلكترونية، ومستقبل الصحافة المغربية، وتأثير الحروب والأزمات على التغطيات الإعلامية، قبل أن يخصص فصولاً وازنة للذكاء الاصطناعي وتحولاته في الممارسة الصحفية والتواصل السياسي.
ومن أبرز نقاط قوة هذا الإصدار أنه لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يحاول تفكيكها بمنهج سوسيولوجي واتصالي، مستنداً إلى مفهوم “مجتمع المعرفة” وإلى التحولات التي غيرت مواقع الفاعلين داخل الحقل الإعلامي.
الدكتور محمد عبد الوهاب العلالي
الدكتور محمد عبد الوهاب العلالي أستاذ التعليم العالي وخبير في علوم الإعلام والاتصال، وباحث سوسيولوجي مغربي متخصص في قضايا الإعلام والتواصل السياسي. شغل عدة مسؤوليات أكاديمية، منها رئاسة شعبة السمعي البصري، ثم رئاسة شعبة البيئة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، كما أسس وينسق ماستر التواصل السياسي منذ سنة 2014.
يتمتع بخبرة دولية واسعة من خلال تعاونه مع منظمات دولية وهيئات من المجتمع المدني، وله مؤلفات علمية في مجالات الثقافة والاتصال والإعلام، من أبرزها كتاب “الثقافة والاتصال والمجتمع”. نال جائزة التميز في البحث العلمي لعام 2025 ببيروت، وهو الرئيس المؤسس للمركز الدولي للدراسات في الإعلام والتنمية.
تركز أبحاثه على سوسيولوجيا الإعلام، والتحولات الرقمية، والتواصل السياسي، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في بلدان الجنوب العالمي، ويُعد من أبرز الباحثين المغاربة في قضايا الإعلام والاتصال المعاصر.
فالصحفي لم يعد وحده منتجاً للخبر، بل أصبح ينافسه المواطن، والمؤثر، والمنصة الرقمية، والخوارزمية، والذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض إعادة التفكير في مفاهيم السلطة الإعلامية والمصداقية والاحترافية.
ويولي العلالي اهتماماً خاصاً لأزمة الصحافة الورقية، لكنه يرفض التعامل معها باعتبارها أزمة تقنية أو اقتصادية فقط، بل يربطها بتحولات أعمق مست النموذج الاتصالي نفسه. فالمنافسة اليوم لم تعد بين صحيفة وأخرى، وإنما بين الصحافة المهنية ومنظومة رقمية مفتوحة تنتج كماً هائلاً من المعلومات، لكنها في المقابل تطرح تحديات حقيقية تتعلق بجودة المحتوى والأخبار الزائفة وأخلاقيات النشر.
ولا يغيب الذكاء الاصطناعي عن هذا العمل، إذ يفرد له المؤلف مساحة مهمة باعتباره الفاعل الجديد الذي يعيد رسم مستقبل المهنة. فالذكاء الاصطناعي، في نظره، ليس مجرد أداة تقنية لتسريع الإنتاج الصحفي، بل تحول بنيوي يفرض مراجعة شاملة لمفهوم الصحفي، ولمستقبل غرف الأخبار، ولحدود المسؤولية المهنية، وهو ما يعالجه من خلال دراسة ميدانية حول الممارسات الصحفية في عصر الذكاء الاصطناعي.
كما يلفت الكتاب الانتباه إلى العلاقة المتزايدة بين الإعلام والسياسة، موضحاً كيف أصبحت الشاشات الرقمية فضاءً لإدارة الصراعات السياسية والدبلوماسية وصناعة الصورة الذهنية للدول والفاعلين السياسيين، في عالم تتراجع فيه سلطة المؤسسات الإعلامية التقليدية لصالح المنصات الرقمية.
ويتميز أسلوب العلالي بجمعه بين اللغة الأكاديمية الواضحة والتحليل النقدي، ما يجعل الكتاب موجهاً للباحثين وطلبة الإعلام والاتصال، كما يجعله مرجعاً مهماً للصحفيين وصناع القرار والمهتمين بمستقبل الإعلام في العالم العربي.
في المحصلة، يقدم كتاب “صحافة الشاشات.. العالم شاشة صغيرة” قراءة عميقة لمرحلة تاريخية يتغير فيها مفهوم الصحافة ووظائفها بصورة غير مسبوقة. إنه كتاب لا يكتفي بتشخيص أزمة الإعلام، بل يدعو إلى بناء نموذج إعلامي جديد قوامه المسؤولية المهنية، والوعي النقدي، والقدرة على التكيف مع التحولات الرقمية دون التفريط في القيم المؤسسة للعمل الصحفي.
لذلك يمثل هذا الإصدار إضافة نوعية للمكتبة المغربية، ومرجعاً يستحق القراءة لكل من يسعى إلى فهم الإعلام في عصر أصبحت فيه الشاشة هي المجال العمومي الجديد، وصارت صناعة الحقيقة تخضع لتفاعلات التكنولوجيا والخوارزميات والإنسان في آن واحد.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



