المغرب اليوم

الجهل بالقانون لا يحمي القنصل الجزائري بالمغرب

أغرب ما في عالم اليوم أننا أصبحنا نعيش بوجهين ونحمل في جيوبنا هويتين: 8هوية رسمية خالية من أي مساحيق تماماً كصورة البطاقة الوطنية التي نواجه بها شرطة الموانئ والمطارات.. وهوية أخرى افتراضية نطير بها في الفضاء الأزرق، مليئة بالصخب والجرأة، وأحياناً بطول اللسان.

هذا الانفصام الرقمي الغريب يذكرني بنكتة قديمة عن رجل حزين ذهب يبحث عن صديق له في المقبرة فلما نطق للحارس باسمه الحركي الذي كان يشتهر به بين أصدقاء المقهى.. ردّ عليه في أسى وأسف وقال: (لا يوجد هنا أحد بهذا الاسم).. حينها تذكر الرجل فجأة الاسم الحقيقي المدون في شهادة ميلاد صاحبه ونطق به، تهللت أسارير الحارس وصرخ: (آه.. هذا الرجل أعرفه هو جاري منذ زمان..!).

على وقع هذا الوهم الافتراضي تحرك السيد القنصل الجزائري في المغرب بهمة ونشاط تحركه غيرة وطنية مستعجلة ليطالب بمعرفة ظروف اعتقال مؤثرة جزائرية شهيرة ملأت الدنيا وشغلت الناس على شاشات الهواتف.

ذهب معالي القنصل يسأل عنها بصفتها نجمة من نجمات الفضاء الأزرق وفي ظنه – والظن هنا إثم دبلوماسي لا يغتفر- أن السياسة الدولية تُدار بـ”اللايكات” و”الهاشتاغات”.

لكن وزارة الخارجية المغربية، التي يقرأ رجالها كتب القانون الدولي بصرامة وإحكام أكثر مما يتابعون مقاطع “التيك توك” ردوا عليه ببرود إنجليزي مهذب وممتع: (عفواً يا معالي القنصل.. سجوننا ليس بها سجينة واحدة تحمل الجنسية الجزائرية!).

هنا سقط قناع الوجه الإفتراضي واضطر القنصل المحترم أن ينزل من سماء المواقع والمنصات إلى أرض الواقع الصلبة.. فتش في أوراقه وأعاد السؤال باسم السيدة الحقيقي والكامل كما ولدتها أمها وليس كما ولدها حساب “الفيسبوك”.

وعندها فقط تجلت المفاجأة الكوميدية التي جعلت الدبلوماسية تبدو كفيلم قصير مضحك: سيدي المؤثرة دخلت البلاد بجواز سفر فرنسي وباسم فرنسي صريح ووفقاً لأحكام القانون الدولي هي مواطنة فرنسية بالكامل أمام القضاء المغربي…

لقد بدا القنصل في هذه الواقعة كمن دخل امتحاناً في الهندسة وهو لا يملك مسطرة ولا قلماً بل يملك فقط حساباً على “التيك توك” وعاطفة رقمية جياشة متناسياً أن الدول لا تتعامل مع الأرواح أو النوايا أو الألقاب المستعارة بل مع الأوراق الرسمية المختومة.

ليكشف القنصل الجزائري جهله المركب بـ”اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية” لعام 1963 والتي تنص مادتها السادسة والثلاثون على أن الحماية القنصلية مشروطة بالجنسية الرسمية الثابتة في الأوراق وليست خاضعة للمشاعر والميولات الافتراضية.

والرد المغربي لم يكن مجرد رفض لتقديم معلومات بل كان درساً مجانياً وهادئاً في الصرامة القانونية حيث أبلغوه بكل أدب بأن التفاصيل لا تُعطى إلا للأقارب.. وكأنهم يقولون له بعبارة أخرى إذا لم تكن ابن عمها أو خالها أو حاملاً لتفويض رسمي من الدولة التي أصدرت جواز سفرها الأزرق.. فالرجاء أن تترك الهاتف.. وتستمتع بأجواء مدينة الرباط قبل فوات الأوان”.

في الحقيقة الأمر مضحك ومثير للشفقة حقاً أن تجلس في مكتبك الفخم وتتحرك لإنقاذ “شبح” في العالم الرقمي وتكتشف في النهاية أنك خارج اللعبة تماماً.. فالسيدة دخلت بجواز واسم فرنسي وحوكمت بهذه الصفة وبينهما قنصل عاد إلى مكتبه حاملاً معه صفراً كبيراً في مادة القانون الدولي، شبيه بالمتفرج الذي دخل قاعة السينما متأخراً، وصفق بحماس في المشهد الخطأ!

إن الدرس الحقيقي الذي تركه هذا الفيلم الدبلوماسي القصير هو أن هذه الواقعة الكوميدية لم تكن مجرد كبوة بروتوكولية لقنصل أخطأ العنوان بل كانت مرآة عاكسة للفارق الشاسع بين‘دولة المؤسسات التي تتحرك بذكاء هادئ وصرامة مسؤولة وبين دولة الهواة الذي يخلط بين الإدارة والتهريج الرقمي.

فقد أثبت المغرب ومن قلب عاصمته الرباط أن حماية السيادة وتطبيق القانون لا يحتاجان إلى ضجيج بل إلى برود إنجليزي متقن يضع النقط فوق الحروف.
لقد رحل ‘الشبح الرقمي‘ إلى مواجهة مصيره القانوني كمواطنة فرنسية، وعاد القنصل بـ صِفره المستحق في مادة القانون الدولي

ولعلها فرصة ثمينة لمعالي القنصل وهو يجلس الآن في مكتبه الفاخر ليتأمل جيداً في المادة 36 من اتفاقية فيينا.. فبين سطورها يرقد الفرق بين رجل الدولة.. ومتصفح (التيك توك) ويعرف منذ الآن بأن الحقيقة الثابتة في عالم الدول هي الأوراق الرسمية… وهي وحدها فقط من يملك حق الكلام..

يوسف غريب

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى