الرأيالمغرب اليوم

الشموخ المغربي : مملكة الصمت والعبور

جاء في إحدى الخطب الشهيرة للمرحوم الحسن الثاني:
“لقد قيل فينا بأننا حمقى وفي تلفزة حكومية..
لا يهمّ من قال.. بل المهمّ ما قيل.
لقد قيل في حقّي بأنني أحمق وعلى هذا المنوال يبدو لي أننا نحن المغاربة كلنا حمقى!
وهذا صحيح.. لأن من كان يفكر قبل 40 سنة في إخراج وطرد الفرنسيين وهو لا يملك لا جيشاً ولا سلاحاً عليه أن يكون أحمق.. وأخرجناهم.
ومن كان يفكر في تحرير أراضيه عبر مسيرة سلمية حاملين كتاب الله والعلم الوطني، فهو أحمق.. وحررناها. وعلى ما يبدو حمقنا نحن المغاربة هو حمق الملهمين.. وإذا كانت الحماقة بهذا المعنى.. فاللهم زدنا منها بل ستجعلنا هذه الحماقة أيضاً إذا أحد كرر التطاول علينا مرة أخرى أن نردّه إلى جادّة الصواب)
انتهت الفقرة..
ومن رحم هذا الحمق الملهم الذي تحدث عنه الساكن في دار البقاء ومن تلك الجينات الفريدة التي ترفض الإذعان للواقع والمنطق الضيق نبتت قصة مغرب اليوم.
أليس من الحمق بمقاييس العقل التقليدي أن نوازن بين معركة التنمية الشاملة ومعركة تحرير الوطن؟ أليس من هذا الحمق العبقري أن نُعيد صياغة المعادلات الجيوسياسية في المنطقة فتتحول الرباط إلى رقيبٍ تصحح بوصلة القوى التقليدية في أوروبا وتكشف زيف الجوازات والمناورات لتؤكد أن زمن التبعية قد ولّى وأن قطار التنمية المغربي قد انطلق في أفق الرهانات الكبرى المقبلة دون أن ينتظر موعداً من أحد…!
ولم يكن هذا العبور الحضاري والدبلوماسي بمعزل عن وهج الملاعب فالحمق الذي أدار بوصلة الكبار في السياسة هو نفسه الطموح الجارف الذي قلب موازين الرياضة.
نعم لسنا أمام ضربات حظ أو سحابة صيف عابرة تركت وراءها بضع قطرات من الفرح ثم تلاشت… الأمر أعمق من ذلك بكثير فقد أصابتنا حالة من “تخمة الانتصارات” وشبعنا هتافاً بحت أصواتنا معه في الشوارع خلف منتخبنا.
لقد رُصّعت أقدام بلدنا ببريق ذهب “مربع الكبار” العالمي ورفعنا كأس العالم للشبان وكأس العرب بفريقنا المحلي وعشنا ملاحم أولمبية حبست الأنفاس أما كرة القدم داخل القاعة.. فقد جاءت بما يفوق كل التوقعات والخيالات
واليوم.. حدث تحول مثير في جينات الحمق لدينا فلم نعد نقبل بالرفع التدريجي لسقف التوقعات بل أصبحنا ننظر إلى كأس العالم المقبلة كهدف مشروع لا تنازل عنه تحت أي ظرف. كان
أما حين تأتي الكأس إلى هنا وداخل بيتنا فلا عذر لظروف أو تبريرات لقد انتهى زمن الاكتفاء بمجرد حضور المربع الذهبي.
هذا هو حمقنا..
على الأقل علمنا أن لا نتسابق مع أحد أياً كان دولة أو قارة. علمنا أن لا نقارن أنفسنا إلا بأنفسنا وكيف نُقارن مرآتنا بغريب لا يملك ملامحنا؟
كنا هنا و في جزيرتنا هاته – كما وصفها مفكرنا الكبير أطال الله في عمره عبد الله العروي – نصارع الوقت والزمن نُغالب شحّ الطاقة وقلة الموارد لا نملك إلا زاداً واحداً :
عزيمة لا تلين لتثبيت الوحدة الترابية وإرادة صلبة تشق الصخر لتصنع من المحال ممكناً.
لقد كان العالم يجهلنا.. وكنا نعرف الجميع
كنا هنا منذ سبعينيات القرن الماضي صامدين قانعين نقف بثبات داخل سفينة الوطن وسط أمواج عاتية تقاوم الكبوات مرات ومرات.. لكنها أبداً لم تغرق ولن تغرق لأن في جوفها حراساً يحمون الصواري وبحارةً يملكون مهارة ترويض العواصف.
كنا فقراء في أعين الجيران ووُصفنا وسط الآخرين بنعوت خادشة وقدحية وصلت حد التحقير.. لكننا كنا صياماً عن الكلام لم نردّ الإساءة بمثلها ولم نُبدّد طاقة البناء في مهاترات الصدى.
آثرنا الصمت لأننا كنا ندرك بوعي الحكماء أننا نزيح القيود عن سفينة الإقلاع نبنيها لبنة لبنة بجهد صامت يمتد من الشيخ إلى الشاب ومن الشاب إلى الطفلزفي ملحمة صامتة وتناغم أجيال يعزّ نظيره.
وهاهم أطفالنا اليوم الذين كبروا على قيم الصبر والشموخ هم من باغتوكم.. خرجوا من معاطف الصمت ليوقظوا العالم على إيقاع مغربي خالص رافعين علم بلد اسمه المغرب.. بلدٌ حرر الأرض.. ورمم قلاع شراعه.. وأطلق العنان لروحه لتبحر نحو أبعد آفاق العالم.
لقد باغتّناكم بمغربٍ أبهى من الأحلام.. مغربٍ يفيض بالحب ويسكن اليوم في قلوب العالم أجمع.
هذا الجيل الجديد لم يولد من فراغ ولم يخرج من معطف الصدفة بل تسلم المشعل يداً بيد ممن وصلوا المربع الذهبي وهو نفس المشعل الذي حمله أولئك الذين اخترقوا باسم أفريقيا حصون الدور الأول في مونديال 1986 يوم كان ذلك ضرباً من المستحيل.
نحن امتداد طبيعي لمن سجلوا التاريخ بمعايير ذاك الزمان نحن الذين كسرنا قيد “الدونية” الذي كبّل أغلبية دول الجنوب لقرون، وعلمنا الجميع كيف تُسترد الثقة بالنفس.
وحين نقول “نحن” فإننا لا نرددها نرجسيةً أو غروراً بل هي كلمة لا نشهرها إلا حين يحاول البعض محو ريادة المبادرة الأولى أو نسيان من خط السطر الأول في كتاب المجد. وفيما عدا ذلك، فنحن لا نستعملها أبداً.. ليس ادعاءً لتواضع زائف بل لسبب بسيط جداً :
وهو أننا أصلاً لم ندخل في سباق مع أحد ولا نضع أنفسنا في كفة مقارنة مع أية جغرافية على وجه الأرض والسبب وراء ذلك يكمن في فلسفة الطبيعة وحتمية التاريخ فالأسود حين تذهب إلى عين الماء تتراجع كل الكائنات الأخرى فوراً..
لا تفعل ذلك خوفاً ولا حتى من باب الاحترام المجرد بل امتثالاً تلقائياً لقانون الطبيعة الأزلي. فالأسد كان وسيظل سباقاً دائماً في تدشين الإنجازات التاريخية.
واليوم يعود الأسد إلى عين الماء.. ليس لينافس بل ليواصل صعوده نحو المجد العالمي ويكون بذلك قد عبّد الطريق للآخرين.. كما فعل أجدادنا من قبل وكما سيفعل أحفادنا إلى أبد الآبدين مدفوعين دائماً وأبداً.. بهذا الحمق المغربي الملهم الذي حوّل وطننا اليوم إلى “المقياس” النقيّ الذي يزن به الآخرون حجم نجاحاتهم أو مسافة فشلهم وهو في حد ذاته قمة الاعتراف بالريادة والشهادة الأسمى على تميز نموذجنا المغربي
لندعهم إذن يقيسون خطى قطارنا..
ولنواصل نحن العبور بكل صمت وثقة وتواضع رفيع وبهذا الحمق المغربي الملهم الذي لا يفهمه إلاّ من يملك تاريخاً بحجم هذا الوطن

بقلم: يوسف غريب

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى