الرأي

التمويل التعاوني في المغرب: رافعة إستراتيجية لتمكين المجتمع المدني

اكادير اليوم : ذ. رشيد حجاجي
خبير في التنمية وقضايا المجتمع المدني

على الرغم من دينامية النسيج الجمعوي، غير أن المجتمع المدني المغربي لا يزال يعاني من تبعية هيكلية للتمويلات العمومية وللجهات المانحة الأجنبية، الأمر الذي يؤثر على استقلالية برامجه المعتمدة. وفي هذا الصدد، يشكل التمويل التعاوني المؤطر بموجب القانون رقم 15.18 والخاضع لرقابة وإشراف بنك المغرب، فرصة إجرائية تهم تنويع مصادر تمويل منظمات المجتمع المدني، بالتزامن مع تعبئة المواطنة الفاعلة، والـمغاربة المقيمين بالخارج، وقيم التضامن الوطني.
آلية وليدة الواقع الميداني
في منتصف شهر دجنبر 2025، تعرضت مدينة آسفي لفيضانات عارمة. وإثر ذلك، وفي غضون ساعات قليلة، نجحت حملة تمويل تعاوني أُطلقت عبر منصة معتمدة من لدن بنك المغرب في تعبئة 450,000 درهم، تم تحصيلها من مئات المساهمين. ولم يكن هذا النتاج وليد معجزة، بل كان دليلا قاطعا على أنه متى ما ارتبطت ثقة الأفراد بحاجة واقعية ملموسة عبر آلية إجرائية مرنة، توفر الرأسمال بشكل فوري.
إن ما كشفت عنه نازلة آسفي يتجاوز سياق تدبير الأزمات العابرة، إذ أظهرت أن التضامن المغربي حقيقة واقعية تمتاز بالزخم والسرعة، ولا تفتقر سوى إلى قنوات مؤسساتية للتعبير عنها. هذا الجسر التضامني كان دستور المملكة لسنة 2011 قد أرسى دعائمه سلفا من خلال دسترة مبدأ التضامن الوطني. ومن ثم، يأتي التمويل التعاوني كأداة تمنح هذا المبدأ صيغته الإجرائية التطبيقية، سواء في أوقات الأزمات الفجائية أو في الأحوال العادية.
منظمات المجتمع المدني في مسار البحث عن الاستقلالية
تضطلع منظمات المجتمع المدني بالمغرب بأدوار جوهرية في خدمة المواطنين ضمن مجالات متباينة، كالشباب، والمساواة، والرياضة، والثقافة، والصحة، والتنمية الترابية… ومع ذلك، تظل استقلاليتها الهيكلية هشة نسبيا، إذ تعتمد في جلها على الإعانات العمومية أو على الجهات المانحة الأجنبية لتمويل أنشطتها ومشاريعها. ولا غرو أن لهذه التبعية تداعيات حمائية وقانونية، إذ تؤدي غالبا على غير رغبة من الجمعيات إلى موائمة برامجها مع أجندات الجهات المانحة، وذلك على حساب الأولويات الحقيقية للمجتمعات المحلية المستهدفة.
وعليه، باتت منظمات المجتمع المدني تكيف تطلعاتها مع طلبات عروض المشاريع المتاحة بدلا من أن تحدد محاور عملها بكامل الاستقلالية، في ظل ندرة الموارد الذاتية المستدامة. وهنا تحديدا تكمن القيمة المضافة للتمويل التعاوني، الذي يتيح للمنظمات إمكانية تمويل مشاريعها عبر تعبئة مجتمعاتها المحلية أو الوطنية مباشرة، بمنأى عن الإكراهات والمحددات المفروضة من المانحين الأجانب. ومن ثم، فهو يعد أداة للاستقلال الذاتي، وآلية لإرساء الديمقراطية الجمعوية في أبعادها التشاركية.
الحلقة المفقودة في المنظومة البيئية للتمويل
لقد اكتمل الإطار المعياري، بصدور القانون رقم 15.18، ومرسومه التطبيقي سنة 2023، وحظيت المنصات الأولى باعتماد بنك المغرب في سنة 2024. وتتوفر المملكة اليوم على ثلاث منصات معتمدة للتمويل التعاوني، مؤهلة قانونا لاستقبال حملات التبرع. ومن هذا المنطلق، فإن التمويل التعاوني ليس مجرد أداة تقنية عابرة ناشئة عن التكنولوجيا المالية. بل هو الحلقة المفقودة التي ربطت بين مكونات كانت قائمة بالفعل، حيث تساهم الحملة المواطنة في إطلاق المشروع وتقديم المؤشر القانوني الأول على جدواه وتفاعله في السوق. وبناء على هذا الزخم، يصبح بإمكان حامل المشروع الولوج إلى تمويلات أكثر هيكلة ومأسسة، فالتمويل التعاوني لا يشكل بديلا عن المؤسسات البنكية أو الآليات العمومية، بل مكملا لها في المراحل الأولية التي يعجز فيها الفاعلون التقليديون عن التدخل، أي عندما يكون المشروع في طور البحث عن هويته ومشروعيته القانونية والعملية.
منصة “Kiwi Collecte”: البرهان بالواقع التطبيقي
من بين المنصات المعتمدة، برزت منصة “Kiwi Collecte” بوصفها الفاعل الأكثر فاعلية من الناحية الإجرائية في هذا القطاع. ففي غضون سنة واحدة فقط من النشاط الفعلي، تمكنت المنصة من تعبئة أزيد من 15 مليون درهم عبر عشرات الحملات الجمعوية والتضامنية. وقد تحقق هذا النتاج دون رصد ميزانيات إشهارية، بل بفضل الثقة المتنامية التي تم بناؤها تدريجيا مع حاملي المشاريع والتواصل المباشر.
“لقد تيقنا من جاهزية الأفراد لاستخدام هذه الآلية، إذ ثمة اهتمام، واعتماد، وحاجة حقيقية لها. بيد أنه لكي يؤدي التمويل التعاوني دورا كاملا في المغرب، يتعين تمكينه من الوسائل والمقومات اللازمة لذلك.”
عثمان لمريني، المدير الشريك لمنصة “Kiwi Collecte”
الجالية المغاربة بالخارج: رأسمال عاطفي يتعين تحويله إلى رافعة اقتصادية
تزخر المملكة بجالية مقيمة بالخارج متميزة بارتباطها الوثيق، حيث تتجاوز تحويلاتها المالية السنوية مائة مليار درهم. وإذ يوجه قسط وافر من هذه التدفقات حاليا نحو الاستهلاك والقطاع العقاري، فإن التمويل التعاوني يفتح مسارا بديلا يتمثل في الاستثمار المنتج المرتبط بالتراب الوطني.
وبفضل المنصات الرقمية، أضحى بمقدور الغاربة المقيمين بالخارج المساهمة المباشرة في مشروع تقوده جمعية بمسقط رأسه، سواء تعلق الأمر بإعادة تأهيل مؤسسة تعليمية، أو دعم برنامج تكويني، أو تمويل مبادرة ثقافية. وبذلك تتحول الرابطة الوجدانية إلى رابطة اقتصادية، ويجد تضامن الجالية إطارا مؤسساتيا للتحول إلى تنمية مستدامة مشتركة، لتنتقل الجهوية المتقدمة من مفهوم نظري إلى قدرة تنفيذية ملموسة.
تمكين الآلية القانونية من مقومات النجاح والتنزيل
إن هذا الحماس المشهود في الميدان لا يحجب ضرورة إدخال بعض الملاءمات التنظيمية، إذ تواجه المنصات إكراهات إجرائية، لا سيما الالتزام التنظيمي بفتح حساب بنكي مستقل لكل حملة على حدة، فضلا عن وجود فراغ ضريبي يحد من الزخم التضامني، كغياب سعر مخفض للضريبة على القيمة المضافة لصالح المنصات، وعدم إقرار نظام الخصم الضريبي للمتبرعين من الأشخاص الطبيعيين. إن هذه الملاءمات لا تستدعي إصلاحا تشريعيا جذريا، بل تتطلب تفعيل آليات الحوار المشترك بين الفاعلين في القطاعين العام والخاص، والإيمان بجدوى دعم هذه الأداة بما يتناسب مع مؤهلاتها الكامنة.
وبناء عليه، فإن بنك المغرب والوزارات الوصية والمؤسسات الدولية بالمغرب مدعوون جميعا للعب دور محوري، ليس فقط كجهات ضبط ورقابة، بل كجهات محفزة ومروجة لآلية من شأنها إحداث تحول عميق في ديناميات تمويل المجتمع المدني. كما يستوجب الأمر الاستثمار في البحث الأكاديمي وتثمين التجارب الناجحة.
وهنا يبرز الدور الطبيعي للجامعات المغربية، لا سيما كليات العلوم الاقتصادية والتدبير، في تطوير نموذج مغربي للتمويل التعاوني مستلهم من الممارسات الدولية الفضلى، وتكوين الخريجين والمقاولين المستقبليين على آليات التمويل الأولي، وجعل التمويل التعاوني موضوعا قائما بذاته في بحوثهم الأكاديمية، وهي روافع ملموسة، منخفضة التكلفة، وذات أثر بالغ.
مأسسة الدعم والمساندة
وفي إطار مواكبة هذه الحركية، اختارت “مؤسسة هانس زايدل بالمغرب” دعم منصة “Kiwi Collecte” في تنفيذ برامج تكوينية متخصصة لفائدة منظمات المجتمع المدني، قصد تمكينها من الأدوات التطبيقية الكفيلة بتصميم، وإطلاق، وإدارة حملات تمويل تعاوني ناجحة. ويجسد هذا التعاون النموذج الحي لما يمكن أن يثمره التلاقي بين فاعل دولي مؤمن بالفكرة وفريق محلي ملتزم، لترسيخ الأداة في الممارسات الميدانية بعيدا عن الخطابات النظرية.
ما أثبت المغرب بالفعل قدرته على إنجازه
لم يعد السؤال اليوم مجرد تساؤل حول مدى نجاعة التمويل التعاوني، فقد قدمت تجربة آسفي الجواب القاطع، وعززته الـ 15 مليون درهم المعبأة من لدن “Kiwi Collecte”. إن ما يتعين تشييده الآن هو المنظومة البيئية الشاملة، التي تتيح لهذه الآلية إبراز كامل طاقاتها: عبر إطار تنظيمي أكثر مرونة، ودعم مؤسساتي أكثر وضوحا، وبحث جامعي أكثر مواكبة، ومجتمع مدني يمتلك الجرأة لعرض مشاريعه أمام مواطنيه.
إن المغرب لا يفتقر إلى رصيد الثقة المتبادلة بين مواطنيه، وبات يتوفر حاليا على الإطار التشريعي الكفيل بتحويل هذه الثقة إلى رأسمال منتج، فالمسألة إذن تكمن في مدى قدرتنا على الائتمان على طاقات المغاربة، بالقدر الذي يثق فيه المغاربة بالفعل في بعضهم البعض.
ذ. رشيد حجاجي، خبير في التنمية وقضايا المجتمع المدني

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى