
بوشعيب حمراوي: بين لاهاي والرباط… من انتصر لحق الإضراب؟
- بقلم: بوشعيب حمراوي //
حكم من لاهاي… وصفعة للأسئلة المؤجلة
ليست كل القرارات التي تصدر عن الهيئات الدولية مجرد وثائق قانونية عابرة أو آراء استشارية توضع فوق الرفوف. فبعضها يتحول إلى مرايا تعكس واقع الدول، وتعيد طرح الأسئلة التي حاولت الحكومات والنقابات والبرلمانات الهروب منها سنوات طويلة.
وهذا ما حدث بالضبط عندما أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري التاريخي بشأن حق الإضراب، معتبرة أن هذا الحق محمي بموجب الاتفاقية رقم 87 لمنظمة العمل الدولية الخاصة بالحرية النقابية وحماية الحق النقابي.
لم يكن القرار مجرد انتصار قانوني للنقابات والعمال عبر العالم، بل جاء ليضع حدا لخلاف استمر لعقود داخل منظمة العمل الدولية نفسها بين الحكومات وأرباب العمل من جهة، والنقابات من جهة أخرى.
فالمحكمة، وهي أعلى هيئة قضائية دولية، حسمت النقاش بأغلبية عشرة قضاة مقابل أربعة، مؤكدة أن حق الإضراب ليس امتيازا تمنحه الحكومات عندما تشاء وتسحبه عندما تشاء، بل حق أصيل متفرع عن الحرية النقابية.
وفي الوقت الذي كانت فيه لاهاي تعلن موقفها الواضح، كان المغرب قد أنهى واحدة من أكثر المحطات التشريعية إثارة للجدل في تاريخه الاجتماعي والسياسي، عبر المصادقة على القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب، وسط احتجاجات نقابية واسعة وانقسام سياسي ومجتمعي لم ينته إلى اليوم.
وطبعا لا أحد سينسى مصادقة البرلمان المخجلة من حيث عدد الحضور داخل مجلسي النواب والمستشارين. وهي عادة سيئة تحط من أدوار البرلمان وقراراته.
نصف قرن من الانتظار… وقانون ولد وسط العاصفة
ظل الفصل 29 من الدستور المغربي يضمن حق الإضراب، لكن دون قانون تنظيمي ينظم ممارسته.
وتعاقبت الحكومات والبرلمانات لأكثر من ستين سنة دون أن تنجح في إخراج هذا القانون إلى الوجود.
وعندما قررت الحكومة الحالية الحسم في الملف، وجدت نفسها أمام إكراهات متشابكة. فمن جهة كانت تعتبر أن الاقتصاد الوطني والاستثمار والمرافق العمومية تحتاج إلى إطار قانوني واضح يحدد شروط ممارسة الإضراب.
ومن جهة أخرى كانت النقابات تعتبر أن النص المقترح لا ينظم الحق بقدر ما يقيده ويضع أمامه عراقيل إدارية وقانونية تجعل ممارسته أكثر تعقيدا من حمايته.
وهكذا تحولت مناقشة المشروع إلى معركة سياسية واجتماعية مفتوحة، امتدت من الشارع إلى المؤسسات الدستورية، ومن مقرات النقابات إلى قاعات البرلمان.
مصادقة برلمانية مخجلة بالأرقام
بعيدا عن مضمون القانون، فإن الطريقة التي صودق بها عليه داخل البرلمان تطرح أسئلة أكثر من تلك التي يقدم لها أجوبة.
ففي مجلس النواب، الذي يضم 395 نائبا، صوت لصالح المشروع 124 نائبا فقط، بينما عارضه 41 نائبا. أما البقية، وهم أكثر من 230 نائبا، فقد غابوا أو لم يشاركوا في المناقشة ولا في التصويت.
أي أن قانونا يتعلق بأحد أهم الحقوق الدستورية للمغاربة لم يصوت لصالحه سوى أقل من ثلث أعضاء المجلس.
أما في مجلس المستشارين الذي عدد أعضائه 120، فقد صودق عليه بأغلبية 41 مستشارا مقابل 7 معارضين فقط، في وقت اختارت بعض المكونات النقابية والسياسية الانسحاب احتجاجا على طريقة تدبير الملف.
ثم عاد المشروع إلى مجلس النواب في قراءة ثانية، ليصادق عليه 84 نائبا فقط مقابل 20 معارضا، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالا محرجا: هل كان البرلمان يناقش فعلا قانونا عاديا، أم أحد أهم القوانين التنظيمية المرتبطة بحق دستوري أساسي؟
إن الأرقام هنا لا تكشف فقط حجم التأييد أو الرفض، بل تكشف حجم الغياب أيضا. والغياب في القضايا المصيرية ليس موقفا محايدا، بل موقف سياسي سلبيا كامل الأركان.
الحكومة: تنظيم الحق وليس مصادرته
الحكومة دافعت بقوة عن مشروعها، معتبرة أن المغرب لا يمكن أن يستمر في تدبير الإضرابات بمنطق الفراغ القانوني.
وأكدت أن القانون جاء لتنظيم ممارسة الحق الدستوري، وحماية حقوق العمال والمشغلين على حد سواء، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية والمرافق الحيوية، وتوفير مناخ استثمار أكثر وضوحا واستقرارا.
وترى الأغلبية الحكومية أن التنظيم لا يعني المنع، وأن أي حق دستوري يحتاج إلى ضوابط قانونية تمنع التعسف في استعماله وتحمي باقي الحقوق المرتبطة به.
النقابات: تنظيم أم تقييد؟
في المقابل، اعتبرت العديد من النقابات أن النص يتجاوز حدود التنظيم إلى دائرة التضييق.
ورأت أن اشتراطات الإعلان المسبق، والمساطر الإدارية، والعقوبات المترتبة عن بعض أشكال الاحتجاج، كلها عناصر تجعل ممارسة الإضراب أكثر صعوبة.
كما اعتبرت أن الحكومة تعاملت مع الملف بمنطق الأغلبية العددية داخل البرلمان أكثر مما تعاملت معه بمنطق التوافق الاجتماعي الذي يقتضيه ملف حساس يمس ملايين الأجراء والموظفين.
ولذلك لم يكن غريبا أن ترافق مناقشة المشروع إضرابات وطنية ومسيرات ووقفات احتجاجية وبيانات نقابية رافضة.
بين قرار لاهاي والقانون المغربي… أين يلتقيان وأين يفترقان؟
من حيث المبدأ، لا يوجد تعارض مباشر بين قرار محكمة العدل الدولية والقانون المغربي.
فالقرار الدولي أكد أن حق الإضراب حق محمي ومكفول، ولم يقل إنه حق مطلق بلا ضوابط.
كما أن القانون المغربي لا يلغي حق الإضراب من الناحية الدستورية، بل يضع شروطا وإجراءات لتنظيمه.
غير أن جوهر النقاش يوجد في نقطة أخرى أكثر حساسية: هل تحولت شروط تنظيم الإضراب إلى قيود تجعل ممارسة الحق صعبة ومعقدة؟
هنا يكمن الخلاف الحقيقي بين الحكومة والنقابات. فالحكومة ترى أن التنظيم ضرورة قانونية واقتصادية.
أما النقابات فترى أن بعض المقتضيات تجعل الحق النظري في الإضراب أوسع بكثير من الحق العملي على أرض الواقع.
ومن هنا فإن رأي محكمة العدل الدولية قد يعيد مستقبلا فتح النقاش حول مدى انسجام بعض المقتضيات التنظيمية مع الفلسفة الدولية التي تعتبر الإضراب امتدادا طبيعيا للحرية النقابية.
حين تتحدث الأرقام… ويأتي الحكم من الخارج
قد يختلف المغاربة حول قانون الإضراب، وقد تستمر الحكومة والنقابات في تبادل الحجج والاتهامات سنوات أخرى، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن أعلى هيئة قضائية دولية حسمت في نقطة جوهرية: الإضراب حق تحميه المواثيق الدولية والحرية النقابية.
أما في المغرب، فإن الجدل لم يعد يتعلق بوجود الحق من عدمه، بل بالمسافة الفاصلة بين الاعتراف به على الورق وإمكانية ممارسته على الأرض.
ولعل أكثر ما سيبقى عالقا في ذاكرة هذا القانون ليس فقط مواده وفصوله، بل تلك الأرقام الصادمة التي كشفت أن عشرات النواب والمستشارين حسموا مصير أحد أهم الحقوق الاجتماعية، بينما اختار مئات المنتخبين الغياب والصمت.
وإذا كانت لاهاي قد تكلمت باسم القانون الدولي، فإن التاريخ سيظل يطرح السؤال ذاته على المؤسسات الوطنية: هل تم تنظيم حق الإضراب فعلا… أم تم ترويضه؟
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



