أكادير اليوم

تعاضدية التعليم بأكادير بين كرامة المربّي وبؤس مقر الإستقبال

لم تكن زيارتي، اليوم لمقر التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية بحي “الداخلة” بأكادير مجرد إجراء إداري روتيني بل “صدمة حضارية ” بالمعنى الإداري للكلمة. هناك في ذلك الفضاء الفسيح والراقي شعرتُ بأننا أخيراً تصالحنا مع مفهوم “إنسانية المرتفق” بفضاءات تحترم العين والجسد..

كراسي مريحة.. انسيابية في الخدمة تجعلك تنجز غرضك في دقائق معدودة وموظفون يشتغلون في بيئة تفتح الشهية للعطاء.
قلتُ في نفسي: “هكذا يكون عنوان التعاضدية حين تحترم منخرطيها
لكن -وسطروا جيّداً على هذه “لكن”-
ما إن غادرتُ رقيّ حي الداخلة وتوجهتُ صوب مقر “تعاضدية التعليم” بنفس الحيّ حتى استيقظتُ على “صفعة” الواقع المرير

هناك،.. وفي زقاق ضيق محشور بين الفيلات، تكتشف الوجه الآخر لعملة “التقدير” التي تمنحها التعاضدية لمنخرطيها الذين كادوا أن يكونوا رسلاً في أممهم.

من مقر بئيس ضيق الأفق والمساحة إلى جحيم “الزقاق” وإهانات الأرصفة هنا “القبلة الوحيدة” لآلاف المنخرطين في جهة سوس ماسة. فهل يعقل أن تُختصر كرامة “حملة الأقلام” ومربي الأجيال من طاطا إلى أكادير في “ثقب إبرة”؟!

كيف ينعم غيرنا من موظفي هذا الوطن بالفضاءات المكيفة ونُضطر نحن للاصطفاف في “طوابير الإهانة” على الرصيف.. نتقاسم الإسفلت مع عجلات السيارات.. وتحرق جلودنا شمس سوس أو تبللنا أمطار الشتاء؟

ولم تقف حدود الفظاعة عند ضيق الجغرافيا بل تجسدت في مشهد هزّ كياني وزلزل ما تبقى من صبري فبينما كنت أنتظر دوري البعيد استرقتُ لحظة للخروج لاستنشاق القليل من الهواء بعيداً عن زحام “الزنزانة” الداخلية،صادفتُ شيخاً وقوراً أستاذاً أفنى عمره في فصول المعرفة وقد انزوى خلف عمود كهربائي متبولاً على نفسه في وضعية تدمي القلب.. تبادلنا نظرات كان فيها من الانكسار ما يهد الجبال، ولم يجد ما يداري به خجله سوى عبارة: “أنا مريض أوليدي”.

لم يكن العيب عليك أستاذي الجليل بل الذنب والعار على إدارة تركتك لساعات في “عراء” يفتقر لأدنى مرفق صحي يحفظ شيبتك ووقارك.

هي صورة مؤلمة تدمي القلب.. مشهد يختزل- للأسف- انكسار كرامة جيل كامل في أرذل العمر أمام أبواب مؤسسة كان من المفترض أن تكون ملاذه الأول.

أن يضطر أستاذ، قضى عمره يلقن قيم العزة والأنفة إلى هذا الموقف المنكسر أمام عمود كهربائي في الشارع العام
هي صرخة صامتة ضد “البؤس الإداري” الذي تجاوز كل الحدود…

عبارته المثقلة بالانكسار “أنا مريض أوليدي” لم تكن تبريراً لفعل بل كانت اعتذاراً مرّاً عن جسد خانه.. وعن إدارة خذلته ولم توفر له حتى أبسط الحقوق الإنسانية “مرفق صحي” أو “استقبالاً يليق بشيبته”.

هذا المشهد ليس مجرد واقعة عابرة، بل هو “شهادة إدانة” صارخة:
إدانة لبناية ضيقة تخنق الأنفاس ولا تحترم آدمية البشر.
إدانة لنظام استقبال لا يضع “كبار السن” و”المرضى” في مقدمة الأولويات.

وإدانة لكل الشعارات التي تتحدث عن “تجويد الخدمات” بينما الواقع يترك شيوخنا على الرصيف في حالات لا يقبلها ضمير.

بهذه الحالة الصحية وغيرها نكون أمام اعتداء مكتمل الأركان على كرامتنا وتكريس لـ “حكرة” ممنهجة تجعلنا نشعر أننا “مرتفقون من الدرجة الثالثة”.

إن تعاضديتنا هي ملكنا جميعاً وليست “إقطاعية” لمن استمرأوا الكراسي الوثيرة بينما يتركوننا نكتوي بلهيب الانتظار على الأرصفة ونواجه تذمر ساكنة الحي الذين يطالبوننا بفك التجمهرات من أمام أبواب منازلهم وكأننا “متطفلون”

لقد آن الأوان لانتفاضة وعي تكنس هذا التدبير الهاوي. (الحگرة) لا تُعالج بالشكوى الصامتة، بل بوقفة عزّ تزلزل عروش هذه الهياكل الإدارية البائدة. لا تنتظروا من “الزقاق” أن يتسع من تلقاء نفسه بل يتسع برفع سقف احتجاجاتنا. فمن يربي الأجيال على الحرية لا يليق به أن يقبل بفتات الكرامة في طوابير الإذلال… ! كفى من سياسة “ثقب الإبرة” فقد ضاق بنا الصبر..

وضاق بنا زقاق لا يليق إلا بالنسيان.

يوسف غريب معلم متقاعد

 

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى