
الشركة الجهوية متعددة الخدمات بسوس ماسة: رهان الحكامة الجديدة أم إعادة إنتاج مركزية القرار؟
- أكادير اليوم – حسن كرياط//
لم يعد ورش الجهوية المتقدمة في المغرب مجرد خيار تنظيمي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات الترابية على إنتاج تنمية فعالة ومنصفة.
وفي هذا السياق، تبرز الشركة الجهوية متعددة الخدمات بسوس ماسة كأحد أهم التحولات البنيوية التي تعيد رسم معالم تدبير المرافق الحيوية، وعلى رأسها الماء والكهرباء والتطهير السائل.
غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من وعود، يطرح أسئلة عميقة تتجاوز البعد التقني، لتلامس جوهر الحكامة الترابية: هل نحن أمام نقل فعلي للسلطة إلى المستوى الجهوي، أم أمام إعادة ترتيب للأدوار ضمن نفس المنطق المركزي؟
في جهة سوس ماسة، حيث تتقاطع التحديات البيئية مع الإكراهات التنموية، تكتسي الشركة الجهوية أهمية استراتيجية. فالجهة تعاني من ضغط متزايد على الموارد المائية، نتيجة توالي سنوات الجفاف وتوسع الأنشطة الفلاحية والسياحية. وهو ما يجعل من تدبير الماء قضية سيادية محلية بامتياز، تتطلب قرارات سريعة ومرنة، قريبة من واقع المجال.
إن إحداث هذه الشركة جاء في سياق البحث عن نموذج تدبيري أكثر نجاعة، قادر على تجاوز اختلالات التدبير المفوض وتشتت المتدخلين.
غير أن نجاح هذا النموذج يظل رهيناً بمدى وضوح توزيع الاختصاصات، وضمان استقلالية القرار الجهوي عن التأثيرات المركزية، خاصة في ما يتعلق بتحديد الأولويات الاستثمارية.
وفي هذا الإطار، تبرز إشكالية التوازن بين منطق التدبير التقني ومنطق الشرعية الديمقراطية. فالشركة، باعتبارها بنية ذات طابع مؤسساتي وتقني، قد تبتعد عن الرقابة المباشرة للمنتخبين، وهو ما يطرح تحدي ربط القرار التدبيري بالإرادة الشعبية، وضمان عدم تحولها إلى جهاز تقني معزول عن انتظارات الساكنة.
كما أن الرهان لا يقف عند حدود تحسين جودة الخدمات، بل يمتد ليشمل تحقيق العدالة المجالية داخل الجهة. فالفوارق بين المجال الحضري والقروي في سوس ماسة ما تزال واضحة، سواء من حيث الولوج إلى الماء الصالح للشرب أو خدمات التطهير. وهنا، تصبح الشركة الجهوية مطالبة بلعب دور محوري في تقليص هذه الفوارق، عبر توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأكثر هشاشة.
من جهة أخرى، يفرض التحول نحو هذا النموذج الجديد إعادة التفكير في آليات الحكامة، من خلال تعزيز الشفافية، وتبني مقاربات تشاركية، وإدماج الرقمنة كأداة لتحسين الأداء وتتبع المشاريع. فالتحدي لم يعد فقط في توفير الخدمة، بل في كيفية تدبيرها بشكل مستدام وعادل.
إن تجربة الشركة الجهوية بسوس ماسة تضعنا أمام مفترق طرق: إما أن تتحول إلى رافعة حقيقية لتنزيل الجهوية المتقدمة، عبر تمكين الجهة من أدوات القرار والتنفيذ، أو أن تبقى مجرد حلقة جديدة في سلسلة تدبير مركزي مقنع.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل ستنجح سوس ماسة في تحويل هذا الورش إلى نموذج وطني في الحكامة الترابية، أم أن رهانات الواقع ستعيد إنتاج نفس الأعطاب السابقة بأدوات جديدة؟
الجواب لن يتحدد في النصوص أو التصورات، بل في الممارسة اليومية، وفي مدى قدرة الفاعلين على جعل هذه الشركة أداة في خدمة التنمية، لا مجرد هيكل إداري جديد.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



