الجهة اليومالرأي

” شهرزاد ” إنزكان.. حين نجت الحكاية من الإحتراق

لم يكن “مقهى شهرزاد” في إنزكان مجرد مقهى. هذه جملة قد تبدو مستهلكة، لكنها هنا أقرب إلى اعتراف متأخر بحقيقة ظلت تتشكل بهدوء منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وهي أن بعض الأمكنة تُبنى بالإسمنت، لكنها تعيش بالكلمات في زمن كانت فيه الكلمة تُراقَب أكثر مما تُقرأ
لقد اختار هذا المقهى اسمًا ذكيًا “شهرزاد” لا باعتباره زينة لغوية بل قدراً جميلاً
فكما أن شهرزاد التراثية لم تكن تحكي لتسلية الملك بل لتؤجل موتها كان هذا الفضاء يحكي ليؤجل صمت المدينة آنذاك على طاولات عادية وكراسٍ بلا ذاكرة رسمية كانت تُصنع ذاكرة موازية
ذاكرة لا تمر عبر القنوات المعتادة ولا تخضع دائمًالقواعد السلامة السياسية.
شهرزاد إنزكان لم تكن تملك ألف ليلة، لكنها امتلكت ما هو أخطر: لحظات صدق نادرة وحوارات تُقال بنصف صوت وأحيانًا بصمت يفهمه الجميع.

" شهرزاد " إنزكان.. حين نجت الحكاية من الإحتراق - AgadirToday
كانت مكانًا يلتقي فيه المختلفون دون أن يُطلب منهم تقديم أوراق اعتمادهم الفكرية وهذا في حد ذاته كان حدثًا متقدّماً على زمنه
أتذكر – وليس في الذاكرة ما يُروى عبثًا- ذلك اللقاء الصحفي مع أحد أقدم معتقلي الرأي في الجنوب ومن رموز المدينة.
لم يكن الأمر مجرد سبق صحفي بل كان اختبارًا لحدود الممكن.
عيون السلطة يومها لم تكن غافلة بل كانت يقظة أكثر مما ينبغي… كانت تراقب.. تنتظر وتفترض الأسوأ.
قررنا أن نلتقي فجرًا بالمقهى ليس بدافع الرومانسية بل لأن الفجر في مثل تلك اللحظات أقل ازدحامًا بالعيون
هناك تسللت الكلمات كما تتسلل حكايات شهرزاد في الظلام: هادئة، محسوبة لكنها قادرة على إرباك السرد الرسمي.
كان الحوار انتصارًا صغيرًا للكلمة.. نعم
لكنه كان أيضًا تذكيرًا بأن الحقيقة لا تحتاج دائمًا إلى ضوء كاشف كي تُقال.
كان أيضاً صدمة صامتة لدى من اعتقدوا أن التحكم في الفضاء يكفي للتحكم في المعنى ناسين أن الأمكنة حين تُشحن بالذاكرة تصبح عصيّة على التدجين.
اليوم، يحترق “مقهى شهرزاد” في سياق احتجاجات جيل جديد.
جيل لا يشبه من سبقوه كثيرًا لكنه يلتقي معهم في شيء واحد : الحاجة إلى صوت. فالحريق، في ظاهره حادث وفي عمقه سؤال
ماذا نفعل بالأمكنة لتي كانت تقول عنا أكثر مما نقول عن أنفسنا؟
المفارقة أن “شهرزاد” الحكاية نجت بالكلام بينما “شهرزاد” المكان أُصيب بالنار.
هل فعلاً احترق؟
الجواب ليس في الجدران، بل في الذاكرة. لأن ما كان يحدث هناك لم يكن قابلًا للاحتراق أصلًا…
هو الدافع نفسه الذي جعل أبناء إنزكان الاحتفاء بذاكرة هذا المقهى فهم بذلك لا يمارسون حنينًا مجانيًا بل يعيدون الاعتبار لفكرة بسيطة وخطيرة في الآن نفسه وهي ان الأمكنة التي احتضنت الكلمة الحرة ولو في لحظة عابرة تصبح جزءًا من تاريخ غير مكتوب…
لكنه حقيقي.
قد يُعاد نشاط المقهى وقد لا يُعاد فهذا تفصيل.
فالأهم هو أن تبقى الحكاية مستمرة. لأن شهرزاد كما علمتنا لا تموت حين تنتهي الليالي… بل حين يتوقف السرد.
وهنا في إنزكان لا يبدو أن أحدًا مستعد لترك الحكاية تحترق

يوسف غريب كاتب صحفي

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى