الثقافةالرأي

مقهى شهرزاد بإنزكان.. ذاكرة مكان: شهادة عبد الله أبيشمو

أكادير اليوم – في سياق استعادة الذاكرة الجماعية لفضاءات المدينة، تبرز شهادة عبد الله أبيشمو حول مقهى “شهرزاد” بإنزكان كوثيقة إنسانية دالة، تعيد الاعتبار لمكان لم يكن مجرد فضاء لاستهلاك القهوة، بل شكل على امتداد عقود حاضنة اجتماعية وثقافية لصياغة الوعي الجماعي لجيل كامل.
ويؤكد أبيشمو في شهادته أن المقهى، في منظور علم الاجتماع وعلم النفس، يتجاوز وظيفته الاستهلاكية ليصبح مجالاً لإنتاج العاطفة والسلوك، ومختبراً للعلاقات الإنسانية الدقيقة. ومن هذا المنطلق، يستحضر المتحدث ذكريات تمتد لأزيد من خمسين سنة، حين كان “مقهى شهرزاد” نقطة التقاء يومية، تؤثثها عفوية اللقاءات وقوة الروابط بين رواده.

مقهى شهرزاد بإنزكان.. ذاكرة مكان: شهادة عبد الله أبيشمو - AgadirToday
ويستعيد أبيشمو صورة المقهى كفضاء مفتوح على مختلف الفئات الاجتماعية، حيث كانت تتقاطع مسارات تلاميذ الإعدادي والثانوي وطلبة الجامعة، إلى جانب مهنيين وفاعلين مهتمين بالشأن الثقافي والسياسي. هذا التنوع، بحسبه، أسهم في خلق دينامية فكرية جعلت من المقهى فضاءً للنقاش وتبادل الرأي، في زمن كانت فيه النقاشات العمومية تُدار وجهاً لوجه، لا عبر الوسائط الرقمية.
كما يبرز المتحدث أن موقع المقهى الاستراتيجي قرب محطة الحافلات بإنزكان، إضافة إلى غياب فضاءات ترفيهية بديلة آنذاك، جعلا منه قبلة مفضلة للشباب. غير أن العامل الحاسم في استمرارية جاذبيته، حسب الشهادة، كان الطابع الإنساني للعلاقة بين “القهوَاجية” والزبناء، حيث يسود الترحيب والاحترام، بعيداً عن منطق الربح الضيق.
ومن الصور التي تستوقف الذاكرة، يصف أبيشمو مشهد الكراسي البيضاء التي تستقبل الزوار، وكأنها تستفز فيهم حكاياتهم الشخصية، فيما يستحضر تفاصيل دقيقة من طقوس تقديم القهوة، حيث تمتزج البساطة بابتسامة دافئة تعكس عمق العلاقة بين العامل والزبون، في ما يشبه “طقساً اجتماعياً” يعيد إنتاج الألفة.
ولا تخلو الشهادة من بعد حنيني واضح، إذ يسترجع أسماء ووجوهاً طبعت تلك المرحلة، مؤكداً أن المقهى كان فضاءً لتشكّل الصداقات وبناء الوعي، وأن المرور بجانبه اليوم يوقظ إحساساً قوياً بالانتماء. كما يوجه نداءً إلى الأصدقاء القدامى للالتقاء مجدداً، في محاولة رمزية لمقاومة النسيان واستعادة خيوط الذاكرة.
وتخلص شهادة عبد الله أبيشمو إلى أن “مقهى شهرزاد” لم يكن مجرد مكان عابر في جغرافيا إنزكان، بل فضاءً لصناعة المعنى، وذاكرة حية تختزن تحولات المجتمع المحلي، ما يجعل استحضاره اليوم جزءاً من صون التراث اللامادي للمدينة.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى